عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا الْآيَةُ . وَقَالَ تَعَالَى: { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } الْآيَةُ . وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْفِ عَنْ غَيْرِهِ عِلْمَ شَيْءٍ إلَّا كَانَ مُنْفَرِدًا بِهِ كَقَوْلِهِ: { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ } وَقَوْلِهِ: { لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلَّا هُوَ } وَقَوْلِهِ: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ } . فَيُقَالُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هَذَا بِحَسَبِ الْعِلْمِ الْمَنْفِيِّ فَإِنْ كَانَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا عَلَّمَهُ بَعْضَ عِبَادِهِ ذَكَرَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ } وَقَوْلِهِ: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } إلَى قَوْلِهِ: { رَصَدًا } وَقَوْلِهِ: { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } وَقَوْلِهِ: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ } وَقَوْلِهِ: { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ } إلَى قَوْلِهِ: { شَهِيدًا } وَقَوْلِهِ: { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا قَلِيلٌ } وَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: { إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: { لَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا } وَفِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابَةِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: { أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك } . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } وَأَوَّلُ النِّزَاعِ النِّزَاعُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الرَّسُولُ عَالِمًا بِمَعَانِيهِ امْتَنَعَ الرَّدُّ إلَيْهِ وَقَدْ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَتُبَيِّنُهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْ مُجْمَلِهِ وَأَنَّهَا تُفَسِّرُ مُجْمَلَ الْقُرْآنِ مِنْ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ . وَقَالَ تَعَالَى: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ } إلَى قَوْلِهِ: { فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } . وَمِنْ أَعْظَمِ الِاخْتِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ الْخَبَرِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ حَاكِمًا بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ مُمْكِنًا وَقَدْ نَصَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ الَّذِي يُبَيِّنُ مَا فِي نَفْسِهِ لَا يَحْكُمُ بِشَيْءِ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ هُوَ الْحَاكِمُ بِالْكِتَابِ فَإِنَّ حُكْمَهُ فَصْلٌ يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِالْبَيَانِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: { إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } أَيْ فَاصِلٌ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَكَيْفَ يَكُونُ فَصْلًا إذَا لَمْ يَكُنْ إلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ سَبِيلٌ . وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } فَذَمَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ كَمَا ذَمَّ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ مَعْنَاهُ وَيُكَذِّبُونَ فَقَالَ تَعَالَى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } إلَى قَوْلِهِ: { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } فَهَذَا أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ } أَيْ تِلَاوَةً { وَإِنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } ثُمَّ ذَمَّ الَّذِينَ