فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 134

فَصْلٌ وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ مِنْ الْعَرَبِ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ وَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُ صَاهَرَ الْجِنَّ فَوَلَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةَ فَقَدْ نَفَاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِامْتِنَاعِ الصَّاحِبَةِ وَبِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ جُزْءٌ فَإِنَّهُ صَمَدٌ وَقَوْلُهُ: { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ } . وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ أَصْلَيْنِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ تَوَلُّدُ الْأَعْيَانِ الَّتِي تُسَمَّى الْجَوَاهِرَ وَتَوَلُّدُ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ بَلْ وَلَا يَكُونُ تَوَلُّدُ الْأَعْيَانِ إلَّا بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنْ الْوَالِدِ فَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةً امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ وَقَدْ عَلِمُوا كُلَّهُمْ أَنْ لَا صَاحِبَةَ لَهُ لَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَا مِنْ الْجِنِّ وَلَا مِنْ الْإِنْسِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ لَهُ صَاحِبَةً فَلِهَذَا احْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ كُفَّارِ الْعَرَبِ أَنَّهُ صَاهَرَ الْجِنَّ فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ قِيلَ: فَهُوَ مِمَّا يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَكَذَلِكَ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى: مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ وَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ أَنَّ الْعُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ فَإِنَّهُ قَدْ نَفَاهُ سُبْحَانَهُ بِهَذَا وَبِهَذَا . فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا عَوَامُّ النَّصَارَى فَلَا تَنْضَبِطُ أَقْوَالُهُمْ وَأَمَّا الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ عُلَمَائِهِمْ وَكُتُبِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَنَّ أُقْنُومَ الْكَلِمَةُ وَيُسَمُّونَهَا الِابْنَ تَدْرَعُ الْمَسِيحَ أَيْ اتَّخَذَهُ دِرْعًا كَمَا يَتَدَرَّعُ الْإِنْسَانَ قَمِيصَهُ فَاللَّاهُوتُ تَدْرَعُ النَّاسُوتَ وَيَقُولُونَ: بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ إلَهٌ وَاحِدٌ قِيلَ قَصْدُهُمْ أَنَّ الرَّبَّ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ فَالْمَوْجُودُ هُوَ الْأَبُ وَالْعِلْمُ هُوَ الِابْنُ وَالْحَيَاةُ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ مَوْجُودٌ عَالِمٌ قَادِرٌ وَيَقُولُ الْعِلْمُ هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُوَ الْمُتَدَرِّعُ وَالْقُدْرَةُ هِيَ رُوحُ الْقُدُسِ ؛ فَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي أَنَّ الْمُتَدَرِّعَ هُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ وَهِيَ الِابْنُ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي التَّدَرُّعِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا جَوْهَرٌ أَوْ جوهران ؟ وَهَلْ لَهُمَا مَشِيئَةٌ أَوْ مَشِيئَتَانِ وَلَهُمْ فِي الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ كَلَامٌ مُضْطَرِبٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ . فَإِنَّ مُقَالَةَ النَّصَارَى فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ مَا يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ لَيْسَ مَأْخُوذًا عَنْ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَلَا هُوَ مُوَافِقٌ لِعُقُولِ الْعُقَلَاءِ فَقَالَتْ الْيَعْقُوبِيَّةُ صَارَ جَوْهَرًا وَاحِدًا وَطَبِيعَةً وَاحِدَةً وَأُقْنُومًا وَاحِدًا كَالْمَاءِ فِي اللَّبَنِ . وَقَالَتْ النسطورية: بَلْ هُمَا جوهران وَطَبِيعَتَانِ وَمَشِيئَتَانِ ؛ لَكِنْ حَلَّ اللَّاهُوتُ فِي النَّاسُوتِ حُلُولَ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ . وَقَالَتْ الْمَلَكِيَّةُ: بَلْ هُمَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ لَهُ مَشِيئَتَانِ وَطَبِيعَتَانِ أَوْ فِعْلَانِ كَالنَّارِ فِي الْحَدِيدِ . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } هُمْ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَفِي قَوْلِهِ: { وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } هُمْ الْمَلَكِيَّةُ وَقَوْلِهِ: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } هُمْ النسطورية وَلَيْسَ بِشَيْءِ بَلْ الْفِرَقُ الثَّلَاثُ تَقُولُ الْمَقَالَاتِ الَّتِي حَكَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ النَّصَارَى فَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ اللَّهُ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَكَذَلِكَ فِي أَمَانَتِهِمْ الَّتِي هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهَا يَقُولُونَ إلَهٌ حَقٌّ مِنْ إلَهٍ حَقٍّ وَأَمَّا قَوْلُهُ:"ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ"فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } . قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْلِهِ: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } قَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت