فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 134

فَصْلٌ وَقَدْ احْتَجَّ بـ ( سُورَةِ الْإِخْلَاصِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ مَنْ يَقُولُ: الرَّبُّ تَعَالَى جِسْمٌ كَبَعْضِ الَّذِينَ وَافَقُوا هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ وَمُحَمَّدَ بْنَ كَرَّامٍ وَغَيْرَهُمَا وَمَنْ يَنْفِي ذَلِكَ وَيَقُولُ لَيْسَ بِجِسْمٍ مِمَّنْ وَافَقَ جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ وَأَبَا الهذيل الْعَلَّافَ وَنَحْوَهُمَا فَأُولَئِكَ قَالُوا: هُوَ صَمَدٌ وَالصَّمَدُ لَا جَوْفَ لَهُ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَجْسَامِ الْمُصْمَتَةِ . فَإِنَّهَا لَا جَوْفَ لَهَا كَمَا فِي الْجِبَالِ وَالصُّخُورِ وَمَا يُصْنَعُ مِنْ عَوَامِيدِ الْحِجَارَةِ وَكَمَا قِيلَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ صَمَدٌ ؛ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَنَفْيُ هَذَا لَا يُعْقَلُ إلَّا عَمَّنْ هُوَ جِسْمٌ وَقَالُوا: أَصْلُ الصَّمَدِ الِاجْتِمَاعُ وَمِنْهُ تَصْمِيدُ الْمَالِ وَهَذَا إنَّمَا يُعْقَلُ فِي الْجِسْمِ الْمُجْتَمِعُ وَأَمَّا النفاة فَقَالُوا: الصَّمَدُ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ وَالِانْقِسَامُ وَكُلُّ جِسْمٍ فِي الْعَالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ وَالِانْقِسَامُ . وَقَالُوا أَيْضًا: الْأَحَدُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ وَالِانْقِسَامَ وَكُلُّ جِسْمٍ فِي الْعَالَمِ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّفَرُّقُ وَالتَّجَزُّؤُ وَالِانْقِسَامُ . وَقَالُوا: إذَا قُلْتُمْ هُوَ جِسْمٌ كَانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا مِنْ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ أَوْ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَمَا كَانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ صَمَدٌ وَالصَّمَدُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ فَالْمُرَكَّبُ لَا يَكُونُ صَمَدًا . فَيُقَالُ: أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُرَكَّبٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَجْزَاءَ وَأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ وَالِانْقِسَامَ وَالِانْفِصَالَ فَهَذَا بَاطِلٌ شَرْعًا وَعَقْلًا فَإِنَّ هَذَا يُنَافِي كَوْنَهُ صَمَدًا كَمَا تَقَدَّمَ وَسَوَاءٌ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ الْأَجْزَاءُ مُتَفَرِّقَةً ثُمَّ اجْتَمَعَتْ أَوْ قِيلَ: إنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُجْتَمِعَةً لَكِنْ يُمْكِنُ انْفِصَالُ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ كَمَا فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَجْسَامِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَزَلْ مُجْتَمِعَ الْأَعْضَاءِ: لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا قَدَّمْنَا أَنَّ كَمَالَ الصَّمَدِيَّةِ لَهُ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَجُوزُ عَلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَفْنَى بَعْضُهُ أَوْ يَعْدَمَ وَمَا قَبْلَ الْعَدَمِ وَالْفِنَاءِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِذَاتِهِ وَلَا قَدِيمًا أَزَلِيًّا ؛ فَإِنَّ مَا وَجَبَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ وَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ الَّتِي لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا وَهِيَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَعْدَمَ اللَّازِمُ إلَّا مَعَ عَدَمِ الْمَلْزُومِ . وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ . الصَّمَدُ هُوَ الدَّائِمُ وَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ فَإِنَّ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ الصَّمَدِيَّةِ إذْ لَوْ قَبْلَ الْعَدَمِ لَمْ تَكُنْ صَمَدِيَّتُهُ لَازِمَةً لَهُ ؛ بَلْ جَازَ عَدَمُ صَمَدِيَّتِهِ فَلَا يَبْقَى صَمَدًا وَلَا تَنْتَفِي عَنْهُ الصَّمَدِيَّةُ إلَّا بِجَوَازِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ . فَلَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلصَّمَدِيَّةِ إلَّا إذَا كَانَتْ لَازِمَةً لَهُ وَذَلِكَ يُنَافِي عَدَمَهُ وَهُوَ مُسْتَوْجِبٌ لِلصَّمَدِيَّةِ لَمْ يَصِرْ صَمَدًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ مُتَفَرِّقًا فَجُمِعَ وَأَنَّهُ مَفْعُولٌ مُحْدَثٌ مَصْنُوعٌ وَهَذِهِ صِفَةُ مَخْلُوقَاتِهِ . وَأَمَّا الْخَالِقُ الْقَدِيمُ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا أَوْ مَفْعُولًا أَوْ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ صَمَدًا وَلَا يَزَالُ صَمَدًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ وَلَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَفَرَّقَ بَلْ وَلَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَدْخُلَ فِيهِ شَيْءٌ . وَهَذَا مِمَّا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ سُنِّيِّهِمْ وَبِدْعِيِّهِمْ وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ الْجُهَّالِ أَوْ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْ يَقُولُ خِلَافَ ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت