يَكُونَ كُلُّ مَا فِي الْعَالَمِ إنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ وَهُوَ مُكَابَرَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّادِرِ الْأَوَّلِ كَثْرَةٌ مَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَقَدْ صَدَرَ عَنْ الْأَوَّلِ مَا فِيهِ كَثْرَةٌ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَقَدْ صَدَرَ عَنْ الْوَاحِدِ مَا لَيْسَ بِوَاحِدِ . وَلِهَذَا اضْطَرَبَ مُتَأَخِّرُوهُمْ فَأَبُو الْبَرَكَاتِ صَاحِبُ"الْمُعْتَبَرِ"أَبْطَلَ هَذَا الْقَوْلَ وَرَدَّهُ غَايَةَ الرَّدِّ وَابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ زَعَمَ أَنَّ الْفَلَكَ بِمَا فِيهِ صَادِرٌ عَنْ الْأَوَّلِ . والطوسي وَزِيرُ الْمَلَاحِدَةِ يَقْرُبُ مِنْ هَذَا ؛ فَجَعَلَ الْأَوَّلَ شَرْطًا فِي الثَّانِي وَالثَّانِيَ شَرْطًا فِي الثَّالِثِ وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي الضَّلَالِ وَهُوَ إثْبَاتُ جَوَاهِرَ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا أَزَلِيَّةٍ مَعَ الرَّبِّ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ مَعَهُ لَمْ تَكُنْ مَسْبُوقَةً بِعَدَمِ وَجَعَلَ الْفَلَكَ أَيْضًا أَزَلِيًّا وَهَذَا وَحْدَهُ فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَالْكُفْرِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَكَيْفَ إذَا ضُمَّ إلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ الْمُخَالِفَةِ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الصوادر الْمَعْلُومَةَ فِي الْعَالَمِ إنَّمَا تَصْدُرُ عَنْ اثْنَيْنِ وَأَمَّا وَاحِدٌ وَحْدَهُ فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ شَيْءٌ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الْمُتَوَلِّدَاتِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ . وَكُلُّ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ صُدُورِ الْحَرَارَةِ عَنْ الْحَارِّ وَالْبُرُودَةِ عَنْ الْبَارِدِ وَالشُّعَاعِ عَنْ الشَّمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَإِنَّمَا هُوَ صُدُورُ أَعْرَاضٍ وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَصْلَيْنِ . وَأَمَّا صُدُورُ الْأَعْيَانِ عَنْ غَيْرِهَا فَهَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْوِلَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَتِلْكَ لَا تَكُونُ إلَّا بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنْ الْأَصْلِ وَهَذَا الصُّدُورُ وَالتَّوَلُّدُ والمعلولية الَّتِي يَدَّعُونَهَا فِي الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَفْلَاكِ يَقُولُونَ إنَّهَا جَوَاهِرُ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا صَدَرَتْ عَنْ جَوْهَرٍ وَاحِدٍ بَسِيطٍ فَهَذَا مِنْ أَبْطَلْ قَوْلٍ قِيلَ فِي الصُّدُورِ وَالتَّوَلُّدِ لِأَنَّ فِيهِ صُدُورَ جَوَاهِرَ عَنْ جَوْهَرٍ وَاحِدٍ وَهَذَا لَا يُعْقَلُ وَفِيهِ صُدُورُهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ جُزْءٍ مُنْفَصِلٍ مِنْ الْأَصْلِ وَهَذَا لَا يَعْقَلُ وَهُمْ غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ أَنْ يُشَبِّهُوا هَذَا بِحُدُوثِ بَعْضِ الْأَعْرَاضِ كَالشُّعَاعِ عَنْ الشَّمْسِ وَحَرَكَةِ الْخَاتَمِ عَنْ حَرَكَةِ الْيَدِ وَهَذَا تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ عِلَّةً فَاعِلَةً وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فَقَطْ وَالصَّادِرُ هُنَاكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ بَلْ عَنْ أَصْلَيْنِ وَالصَّادِرُ عَرَضٌ لَا جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ . فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ مِنْ التَّوَلُّدِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي يَدْعُونَهُ مِنْ أَبْعَدِ الْأُمُورِ عَنْ التَّوَلُّدِ وَالصُّدُورِ وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهُمْ جَعَلُوا مَفْعُولَاتِهِ بِمَنْزِلَةِ صِفَةٍ أَزَلِيَّةٍ لَازِمَةٍ لِذَاتِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا مِمَّا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ عَنْهُ وَحِينَئِذٍ فَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ إلَهِيَّةِ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَالْكَوَاكِبِ أَكْفَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَمَنْ جَعَلَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْمِلَلِ مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ هُمْ الْمَلَكِيَّةِ فَقَوْلُهُ فِي جَعْلِ الْمَلَائِكَةِ متولدين عَنْ اللَّهِ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ وَعَوَّامِ النَّصَارَى فَإِنَّ أُولَئِكَ أَثْبَتُوا وِلَادَةً حِسِّيَّةً وَكَوْنَهُ صَمَدًا يُبْطِلُهَا ؛ لَكِنْ مَا أَثْبَتُوهُ مَعْقُولٌ وَهَؤُلَاءِ ادَّعَوْا تَوَلُّدًا عَقْلِيًّا بَاطِلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَبْطَلَ مِمَّا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى مِنْ تَوَلُّدِ الْكَلِمَةِ عَنْ الذَّاتِ فَكَانَ نَفْيُ مَا ادَّعُوهُ أَوْلَى مِنْ نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ أُولَئِكَ لِأَنَّ الْمُحَالَ الَّذِي يَعْلَمُ امْتِنَاعَهُ فِي الْخَارِجِ لَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ بَلْ هُوَ يَفْرِضُ فِي الذِّهْنِ وُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ وَذَلِكَ إنَّمَا يُمْكِنُ إذَا كَانَ لَهُ نَظِيرٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَيُقَدِّرُ لَهُ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ مَا يُشْبِهُهُ كَمَا إذَا قَدَّرَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَقَدَّرَ