فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 134

السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَقَالَ: { مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وَقَالَ: { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } . وَثُمَّ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ كَثُرَتْ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ يَقُولُونَ: مَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَعَانِيَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ كَآيَاتِ الصِّفَاتِ ؛ بَلْ لَازِمُ قَوْلِهِمْ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَلَا يَعْرِفُ مَعَانِيَهَا وَهَؤُلَاءِ مَسَاكِينُ لَمَّا رَأَوْا الْمَشْهُورَ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ أَنَّ الْوَقْفَ التَّامَّ عِنْدَ قَوْلِهِ . { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ } وَافَقُوا السَّلَفَ وَأَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الْمُوَافَقَةِ ؛ لَكِنْ ظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْوِيلِ هُوَ مَعْنَى اللَّفْظِ وَتَفْسِيرِهِ أَوْ هُوَ التَّأْوِيلُ الِاصْطِلَاحِيُّ الَّذِي يَجْرِي فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ فَهُمْ قَدْ سَمِعُوا كَلَامَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فَصَارَ لَفْظُ التَّأْوِيلِ عِنْدَهُمْ هَذَا مَعْنَاهُ . وَلَمَّا سَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ } ظَنُّوا أَنَّ لَفْظَ التَّأْوِيلِ فِي الْقُرْآنِ مَعْنَاهُ هُوَ مَعْنَى لَفْظِ التَّأْوِيلِ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَعْنَى هَذِهِ النُّصُوصِ إلَّا اللَّهُ لَا جِبْرِيلُ وَلَا مُحَمَّدٌ وَلَا غَيْرُهُمَا ؛ بَلْ كُلٌّ مِنْ الرَّسُولَيْنِ عَلَى قَوْلِهِمْ يَتْلُو أَشْرَفَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَخْبَارِ عَنْ اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى ذَلِكَ أَصْلًا ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَذُمُّونَ وَيُبْطِلُونَ تَأْوِيلَاتِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الجهمية وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا جَيِّدٌ ؛ لَكِنْ قَدْ يَقُولُونَ تَجْرِي عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا إلَّا اللَّهُ فَإِنَّ عَنَوْا بِظَوَاهِرِهَا مَا يَظْهَرُ مِنْهَا مِنْ الْمَعَانِي كَانَ هَذَا مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِمْ إنَّ لَهَا تَأْوِيلًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَإِنْ عَنَوْا بِظَوَاهِرِهَا مُجَرَّدَ الْأَلْفَاظِ: كَانَ مَعْنَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَلَهَا بَاطِنٌ يُخَالِفُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَهُوَ التَّأْوِيلُ وَذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ . وَفِيهِمْ مَنْ يُرِيدُ بِإِجْرَائِهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا هَذَا الْمَعْنَى وَفِيهِمْ مِنْ يُرِيدُ الْأَوَّلَ وَعَامَّتُهُمْ يُرِيدُونَ بِالتَّأْوِيلِ الْمَعْنَى الثَّالِثَ وَقَدْ يُرِيدُونَ بِهِ الثَّانِيَ فَإِنَّهُ أَحْيَانًا قَدْ يُفَسَّرُ النَّصُّ بِمَا يُوَافِقُ ظَاهِرَهُ وَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا [ أَنَّهُ ] لَيْسَ مِنْ التَّأْوِيلِ الثَّالِثِ فَيَأْبَوْنَ ذَلِكَ وَيَكْرَهُونَ تَدَبُّرَ النُّصُوصِ وَالنَّظَرَ فِي مَعَانِيهَا أَعْنِي النُّصُوصَ الَّتِي يَقُولُونَ إنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَأْوِيلَهَا إلَّا اللَّهُ . ثُمَّ هُمْ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ بِحَسَبِ عَقَائِدِهِمْ فَإِنْ كَانُوا مِنْ الْقَدَرِيَّةِ قَالُوا: النُّصُوصُ الْمُثْبِتَةُ لِكَوْنِ الْعَبْدِ فَاعِلًا مُحْكَمَةٌ وَالنُّصُوصُ الْمُثْبِتَةُ لِكَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى خَالِقَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَوْ مُرِيدًا لِكُلِّ مَا وَقَعَ نُصُوصٌ مُتَشَابِهَةٌ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا إلَّا اللَّهُ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا يَتَأَوَّلُهَا فَإِنَّ عَامَّةَ الطَّوَائِفِ مِنْهُمْ مَنْ يَتَأَوَّلُ مَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ وَمِنْهُمْ مِنْ لَا يَتَأَوَّلُهُ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الصفاتية الْمُثْبِتِينَ لِلصِّفَاتِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهَا بِالْعَقْلِ دُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخَّرِي الكلابية كَأَبِي الْمَعَالِي فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِ قَالُوا عَنْ النُّصُوصِ الْمُتَضَمِّنَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت