هُوَ بِكَوْنِهِ قَادِرًا . فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ هَذَا كُلُّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَاتًا وَاحِدَةً لَهَا صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ ذَلِكَ . وَأَيْضًا: فَالْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ إذَا كَانَ إلَهًا: امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ صِفَةً وَإِنَّمَا يَكُونُ هُوَ الْمَوْصُوفَ ؛ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِذَاكَ فَمَا هُوَ الْحَقُّ لَا تَقُولُونَهُ: وَمَا تَقُولُونَهُ لَيْسَ بِحَقِّ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ } . فَالنَّصَارَى حَيَارَى مُتَنَاقِضُونَ إنْ جَعَلُوا الْأُقْنُومَ صِفَةً امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ إلَهًا وَإِنْ جَعَلُوهُ جَوْهَرًا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ وَاحِدًا وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا الْمَسِيحَ اللَّهَ وَيَجْعَلُوهُ ابْنَ اللَّهِ وَيَجْعَلُوا الآب وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ إلَهًا وَاحِدًا . وَلِهَذَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِالشِّرْكِ تَارَةً وَجَعَلَهُمْ قِسْمًا غَيْرَ الْمُشْرِكِينَ تَارَةً ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ كَانُوا مُتَنَاقِضَيْنِ . وَهَكَذَا حَالُ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقُولُوا بِالِاتِّحَادِ وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ غَيْرُ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُثْبِتُوا وُجُودَ الْعَالَمِ ؛ فَجَعَلُوا ثُبُوتَ الْعَالَمِ فِي عِلْمِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ لَهُ وَجَعَلُوهُ مُتَجَلِّيًا لِذَلِكَ الْمَشْهُودِ لَهُ فَإِذَا تَجَلَّى فِيهِ كَانَ هُوَ الْمُتَجَلِّيَ لَا غَيْرُهُ وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَعْيَانُ الْمَشْهُودَةُ هِيَ الْعَالَمَ . وَهَذَا الرَّجُلُ وَابْنُ عَرَبِيٍّ: يَشْتَرِكَانِ فِي هَذَا وَلَكِنْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . فَإِنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ يَقُولُ: وُجُودُ الْحَقِّ ظَهَرَ فِي الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي نَفْسِهَا . فَإِنْ شِئْت قُلْت هُوَ الْحَقُّ وَإِنْ شِئْت قُلْت هُوَ الْخَلْقُ وَإِنْ شِئْت قُلْت هُوَ الْحَقُّ وَالْخَلْقُ وَإِنْ شِئْت قُلْت لَا حَقَّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا خَلْقَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِنْ شِئْت قُلْت بِالْحَيْرَةِ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ يَقُولُ: تَجَلَّى الْأَعْيَانُ الْمَشْهُودَةُ لَهُ فَقَدْ قَالَا فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ مَا يُشْبِهُ قَوْلَ مَلَكِيَّةِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ حَيْثُ قَالُوا: بِأَنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ صَارَا جَوْهَرًا وَاحِدًا لَهُ أُقْنُومَانِ . وَأَمَّا التلمساني فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُ تَعَدُّدًا بِحَالِ ؛ فَهُوَ مِثْلُ يَعَاقِبَةِ النَّصَارَى وَهُمْ أَكْفَرُهُمْ وَالنَّصَارَى قَالُوا بِذَلِكَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا: إنَّ اللَّاهُوتَ يَتَدَرَّعُ بِالنَّاسُوتِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَدَرِّعًا بِهِ . وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: إنَّهُ فِي جَمِيعِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَقَالُوا بِعُمُومِ ذَلِكَ وَلُزُومِهِ وَالنَّصَارَى قَالُوا بِخُصُوصِهِ وَحُدُوثِهِ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: النَّصَارَى إنَّمَا كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ خَصَّصُوا . وَهَذَا الْمَعْنَى: قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْفُصُوصِ وَذَكَرَ أَنَّ إنْكَارَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى عُبَّادِ الْأَصْنَامِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ التَّخْصِيصِ وَإِلَّا فَالْعَارِفُ الْمُكَمِّلُ مَنْ عَبَدَهُ فِي كُلِّ مَظْهَرٍ ؛ وَهُوَ الْعَابِدُ وَالْمَعْبُودُ ؛ وَأَنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ لَوْ تَرَكُوا عِبَادَتَهُمْ: لَتَرَكُوا مِنْ الْحَقِّ بِقَدْرِ مَا تَرَكُوا مِنْهَا وَأَنَّ مُوسَى إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى هَارُونَ: لِكَوْنِ هَارُونَ نَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ؛ لِضِيقِ هَارُونَ وَعِلْمِ مُوسَى بِأَنَّهُمْ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ هَارُونَ إنَّمَا لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى الْعِجْلِ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ فِي كُلِّ صُورَةٍ وَأَنَّ أَعْظَمَ مَظْهَرٍ عُبِدَ فِيهِ هُوَ الْهَوَى فَمَا عُبِدَ أَعْظَمُ مِنْ الْهَوَى ؛ لَكِنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ يُثْبِتُ أَعْيَانًا ثَابِتَةً فِي الْعَدَمِ . وَهَذَا ابْنُ حَمَوَيْهِ إنَّمَا أَثْبَتَهَا مَشْهُودَةً فِي الْعِلْمِ فَقَطْ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لَكِنْ لَا يَتِمُّ مَعَهُ مَا طَلَبَهُ مِنْ الِاتِّحَادِ وَلِهَذَا كَانَ هُوَ أَبْعَدَهُمْ عَنْ تَحْقِيقِ الِاتِّحَادِ وَأَقْرَبَ إلَى الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ تَنَاقُضًا وَهَذَيَانًا فَكَثْرَةُ الْهَذَيَانِ خَيْرٌ مِنْ كَثْرَةِ الْكُفْرِ . وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ هَذَا: أَنَّهُ جَعَلَ وُجُودَهُ مَشْرُوطًا بِوُجُودِ الْعَالَمِ وَإِنْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ مَا غَيْرُ