الْعَالَمِ كَمَا أَنَّ نُورَ الْعَيْنِ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الْأَجْفَانِ وَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِالْحَدَقَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اللَّهُ مُفْتَقِرًا إلَى الْعَالَمِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ كَاحْتِيَاجِ نُورِ الْعَيْنِ إلَى الْجَفْنَيْنِ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ . فَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلَهُ فِيمَنْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ إلَى أَمْوَالِهِمْ لِيُعْطِيَهَا الْفُقَرَاءَ ؛ فَكَيْفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ جَعَلَ ذَاتَه مُفْتَقِرَةً إلَى مَخْلُوقَاتِهِ بِحَيْثُ لَوْلَا مَخْلُوقَاتُهُ لَانْتَشَرَتْ ذَاتُهُ وَتَفَرَّقَتْ وَعَدِمَتْ كَمَا يَنْتَشِرُ نُورُ الْعَيْنِ وَيَتَفَرَّقُ وَيَعْدَمُ إذَا عَدِمَ الْجَفْنُ ؟ . وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ: { إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا } الْآيَةَ . فَمَنْ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ؟ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ } الْآيَةَ . وَقَالَ: { رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } وَقَالَ { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } { وَلَا يَئُودُهُ } لَا يُثْقِلُهُ وَلَا يُكْرِثُهُ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ؛ حَدِيثُ أَبِي داود: { مَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي الْكُرْسِيِّ إلَّا كَحَلْقَةِ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ وَالْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ كَتِلْكَ الْحَلْقَةِ فِي الْفَلَاةِ } وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } الْآيَةَ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: { إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِيَدِهِ } فَمَنْ يَكُونُ فِي قَبْضَتِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَكُرْسِيُّهُ قَدْ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَبِأَمْرِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَهُوَ الَّذِي يُمْسِكُهُمَا أَنْ تَزُولَا أَيَكُونُ مُحْتَاجًا إلَيْهِمَا مُفْتَقِرًا إلَيْهِمَا إذَا زَالَا تَفَرَّقَ وَانْتَشَرَ ؟ . وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُكَفِّرُونَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ السَّمَوَاتِ تُقِلُّهُ أَوْ تُظِلُّهُ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ احْتِيَاجِهِ إلَى مَخْلُوقَاتِهِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ فِي اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَرْشِ كَاحْتِيَاجِ الْمَحْمُولِ إلَى حَامِلِهِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ ؟ لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ حَيٌّ قَيُّومٌ هُوَ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ وَمَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ أَصْلَ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ: ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ فَكَيْفَ بِمَنْ يَقُولُ إنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَنَّهُ إذَا ارْتَفَعَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ: تَفَرَّقَ وَانْتَشَرَ وَعَدِمَ ؟ فَأَيْنَ حَاجَتُهُ فِي الْحَمْلِ إلَى الْعَرْشِ مِنْ حَاجَةِ ذَاتِهِ إلَى مَا هُوَ دُونَ الْعَرْشِ ؟ . ثُمَّ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ بِقِدَمِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَدَوَامِهَا: فَهَذَا كُفْرٌ . وَهُوَ قَوْلٌ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَإِنْكَارِ انْفِطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَانْشِقَاقِهِمَا وَإِنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ بِحُدُوثِهِمَا فَكَيْفَ كَانَ قَبْلَ خَلْقِهِمَا ؟ هَلْ كَانَ مُنْتَشِرًا مُتَفَرِّقًا مَعْدُومًا ثُمَّ لَمَّا خَلَقَهُمَا صَارَ مَوْجُودًا مُجْتَمِعًا ؟ هَلْ يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ ؟ . فَأَنْتُمْ دَائِرُونَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنْ الْكُفْرِ مَعَ غَايَةِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ فَاخْتَارُوا أَيَّهمَا شِئْتُمْ: إنَّ صُوَرَ الْعَالَمِ لَا تَزَالُ تَفْنَى وَيَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ بَدَلُهَا مِثْلُ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَمِثْلُ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ فِي الْجَوِّ مِنْ السَّحَابِ وَالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالْمَطَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكُلَّمَا عُدِمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ: يَنْتَقِصُ مِنْ نُورِ الْحَقِّ وَيَتَفَرَّقُ وَيُعْدَمُ بِقَدْرِ مَا عُدِمَ مِنْ ذَلِكَ وَكُلَّمَا زَادَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ: زَادَ نُورُهُ وَاجْتَمَعَ وَوُجِدَ . وَأَمَّا إنْ عَنَى أَنَّ نُورَ اللَّهِ بَاقٍ بَعْدَ