فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 72

الْغَنِيَّةِ فِي ثُبُوتِهَا عَنْهُ . وَأَمَّا جُحُودُ قُدْرَتِهِ: فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الرَّبَّ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى تَجَلِّيهِ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَدَمِ الْغَنِيَّةِ عَنْهُ فَقُدْرَتُهُ مَحْدُودَةٌ بِهَا مَقْصُورَةٌ عَلَيْهَا مَعَ غِنَاهَا عَنْهُ وَثُبُوتُ حَقَائِقِهَا بِدُونِهِ ؛ وَهَذَا عِنْدَهُ هُوَ السِّرُّ الَّذِي أَعْجَزَ اللَّهَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى غَيْرِ مَا خَلَقَ فَلَا يَقْدِرُ عِنْدَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَ فِي الْعَالَمِ ذَرَّةً وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ ذَرَّةً وَلَا يَزِيدُ فِي الْمَطَرِ قَطْرَةً وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ قَطْرَةً وَلَا يَزِيدُ فِي طُولِ الْإِنْسَانِ وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ وَلَا يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا حَرَكَاتِهِ وَلَا سَكَنَاتِهِ وَلَا يَنْقُلُ حَجَرًا عَنْ مَقَرِّهِ وَلَا يُحَوِّلُ مَاءً عَنْ مَمَرِّهِ وَلَا يَهْدِي ضَالًّا وَلَا يُضِلُّ مُهْتَدِيًا وَلَا يُحَرِّكُ سَاكِنًا وَلَا يُسَكِّنُ مُتَحَرِّكًا ؛ فَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى مَا وُجِدَ لِأَنَّ مَا وُجِدَ فَعَيْنُهُ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ظُهُورِهِ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ . وَهَذَا التَّجْهِيلُ وَالتَّعْجِيزُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَزَعَمَ أَنَّهُ هُوَ سِرُّ الْقَدَرِ - وَإِنْ كَانَ قَدْ تَضَمَّنَ بَعْضَ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ الضُّلَّالِ - فَفِيهِ مِنْ الْكُفْرِ مَا لَا يَرْضَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الضَّالِّينَ . فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ: يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُمْكِنٍ كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَا يَجْعَلُونَ عِلْمَهُ بِالْأَشْيَاءِ مُسْتَفَادًا مِنْ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا وَلَا أَنَّ خَلْقَهُ وَقُدْرَتَهُ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا عَلِمَهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنْوَاعًا مِنْ الْمُمْكِنَاتِ لَمْ يَخْلُقْهَا فَمَعْلُومُهُ مِنْ الْمُمْكِنَاتِ أَوْسَعُ مِمَّا خَلَقَهُ وَلَا يَجْعَلُونَ الْمَانِعَ مِنْ أَنْ يَخْلُقَ غَيْرَ مَا خَلَقَ هُوَ كَوْنُ الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَدَمِ لَا تَقْبَلُ سِوَى هَذَا الْوُجُودِ ؛ بَلْ يُمْكِنُ عِنْدَهُمْ وُجُودُهَا عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى هِيَ أَيْضًا مِنْ الْمُمْكِنِ الثَّابِتِ فِي الْعَدَمِ . فَلَا يُفْضِي قَوْلُهُمْ لَا إلَى تَجْهِيلٍ وَلَا إلَى تَعْجِيزٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ؛ وَإِنَّمَا قَدْ يَقُولُونَ الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ هَذَا هُوَ أَكْمَلُ الْوُجُوهِ وَأَصْلَحُهَا فَعِلْمُهُ بِأَنَّهُ لَا أَكْمَلَ مِنْ هَذَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُرِيدَ مَا لَيْسَ أَكْمَلَ بِحِكْمَتِهِ فَيَجْعَلُونَ الْمَانِعَ أَمْرًا يَعُودُ إلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ ؛ حَتَّى لَا يَجْعَلُونَهُ مَمْنُوعًا مِنْ غَيْرِهِ . فَأَيْنَ مَنْ لَا يَجْعَلُ لَهُ مَانِعًا مَنْ غَيْرِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ مِمَّنْ يَجْعَلُهُ مَمْنُوعًا مَصْدُودًا ؟ وَأَيْنَ مَنْ يَجْعَلُهُ عَالِمًا بِنَفْسِهِ مِمَّنْ يَجْعَلُهُ مُسْتَفِيدًا لِلْعِلْمِ مَنْ غَيْرِهِ ؟ وَمِمَّنْ هُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ ؟ هَذَا مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي جَعَلَهُ أَعْلَى أَهْلِ اللَّهِ مَنْ يَكُونُ فِي عِلْمِهِ بِمَنْزِلَةِ عِلْمِ اللَّهِ لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ إذَا كَشَفَ لَهُ عَنْ أَحْوَالِ الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَدَمِ فَيَعْلَمُهَا مِنْ حَيْثُ عَلِمَهَا اللَّهُ إلَّا أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ عِنَايَةٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَتْ لَهُ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَحْوَالِ عَيْنِهِ . يَعْرِفُهَا صَاحِبُ هَذَا الْكَشْفِ إذَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَجَعَلَ عِلْمَهُ وَعِلْمَ اللَّهِ مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّهُ جَعَلَ اللَّهَ عَالِمًا بِهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا وَاتَّبَعَ الْمُتَشَابِهُ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: حَتَّى نَعْلَمَ وَزَعَمَ أَنَّهَا كَلِمَةٌ مُحَقَّقَةُ الْمَعْنَى بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ أَنَّ وُجُودَ الْعَبْدِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الرَّبِّ فَكُلُّ مَخْلُوقٍ عَلِمَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ فَهُوَ اللَّهُ عَلِمَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ . وَهَذَا الْكُفْرُ مَا سَبَقَهُ إلَيْهِ كَافِرٌ فَإِنَّ غَايَةَ الْمُكَذِّبِ بِقَدَرِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا ؛ أَمَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ كُلَّ مَا تَجَدَّدَ لِمَخْلُوقِ مِنْ الْعِلْمِ فَإِنَّمَا تَجَدَّدَ لِلَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت