فَهَذَا الْفَصْلُ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ حَقِيقَةَ مَذْهَبِهِ الَّتِي يَبْنِي عَلَيْهَا سَائِرَ كَلَامِهِ فَتَدَبَّرْ مَا فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ الَّذِي: { تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا } وَمَا فِيهِ مَنْ جَحْدِ خَلْقِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ وَجُحُودِ رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَشَتْمِهِ وَسَبِّهِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْإِزْرَاءِ بِرُسُلِهِ وَصِدِّيقِيهِ وَالتَّقَدُّمِ عَلَيْهِمْ بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا حُجَّةٌ بَلْ هِيَ مَعْلُومَةُ الْفَسَادِ بِأَدْنَى عَقْلٍ وَإِيمَانٍ وَأَيْسَرِ مَا يُسْمَعُ مِنْ كِتَابٍ وَقُرْآنٍ وَجَعَلَ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَرَاعِنَةَ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ أَهْلُ الْكُشُوفِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: - ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ عَيْنًا ثَابِتَةً قَبْلَ وُجُودِهِ وَلِسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ وَأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ لَهُ وَلِسَائِرِ أَحْوَالِهِ وَكُلُّ مَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ فَعَيْنُهُ ثَابِتَةٌ قَبْلَ وُجُودِهِ . وَهَذَا ضَلَالٌ قَدْ سُبِقَ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ جَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ بِالْعَبْدِ إنَّمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ عِلْمِهِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَدَمِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الْعَبْدِ لَا مِنْ نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَنَّ عِلْمَهُ بِالْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَدَمِ وَأَحْوَالِهَا تَمْنَعُهُ أَنْ يَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَنَّ هَذَا هُوَ سِرُّ الْقَدَرِ . فَتَضَمَّنَ هَذَا وَصْفَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْفَقْرِ إلَى الْأَعْيَانِ وَغِنَاهَا عَنْهُ وَنَفْيَ مَا اسْتَحَقَّهُ بِنَفْسِهِ مِنْ كَمَالِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلُزُومِ التَّجْهِيلِ وَالتَّعْجِيزِ وَبَعْضِ مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ الْمُضَاهَاةُ لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَمَّنْ قَالَ فِيهِ { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } الْآيَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَ حَقَائِقَ الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَدَمِ غَنِيَّةً عَنْ اللَّهِ فِي حَقَائِقِهَا وَأَعْيَانِهَا وَجَعَلَ الرَّبَّ مُفْتَقِرًا إلَيْهَا فِي عِلْمِهِ بِهَا فَمَا اسْتَفَادَ عِلْمَهُ بِهَا إلَّا مِنْهَا يَسْتَفِيدُ الْعَبْدُ الْعِلْمَ بِالْمَحْسُوسَاتِ مِنْ إدْرَاكِهِ لَهَا مَعَ غِنَى تِلْكَ الْمُدْرَكَاتِ عَنْ الْمُدْرِكِ . وَالْمُسْلِمُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ لَمْ يَسْتَفِدْ عِلْمَهُ بِهَا مِنْهَا: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ عِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ مِنْ وُجُوهٍ انْتَظَمَتْ الْبَرَاهِينُ الْمَذْكُورَةُ لِأَهْلِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الْقِيَاسَ الْعَقْلِيَّ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ وَغَيْرِهِمْ: ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ خَالِقٌ لَهَا وَالْخَلْقُ هُوَ الْإِبْدَاعُ بِتَقْدِيرِ وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَقْدِيرَهَا فِي الْعِلْمِ قَلَّ تَكَوُّنُهَا فِي الْخَارِجِ . ( الثَّانِي ) أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِرَادَةِ ؛ وَالْمَشِيئَةُ وَالْإِرَادَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِتَصَوُّرِ الْمُرَادِ وَالشُّعُورِ بِهِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْهُ وَهُوَ سَبَبُهَا التَّامُّ وَالْعِلْمُ بِأَصْلِ الْأَمْرِ وَسَبَبُهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالْفَرْعِ الْمُسَبِّبِ فَعِلْمُهُ بِنَفْسِهِ مُسْتَلْزِمٌ الْعِلْمَ بِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَطِيفٌ يُدْرِكُ الدَّقِيقَ ؛ خَبِيرٌ يُدْرِكُ الْخَفِيَّ وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْعِلْمِ بِالْأَشْيَاءِ فَيَجِبُ وُجُودُ الْمُقْتَضَى لِوُجُودِ السَّبَبِ التَّامِّ فَهُوَ فِي عِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ مُسْتَغْنٍ بِنَفْسِهِ عَنْهَا كَمَا هُوَ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ ثُمَّ إذَا رَأَى الْأَشْيَاءَ بَعْدَ وُجُودِهَا وَسَمِعَ كَلَامَ عِبَادِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّمَا يُدْرِكُ مَا أَبْدَعَ وَمَا خَلَقَ وَمَا هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وَمُحْتَاجٌ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ لَمْ يَحْتَجْ فِي عِلْمِهِ وَإِدْرَاكِهِ إلَى غَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ ؛ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِأَنَّ عِلْمَهُ بِالْأَشْيَاءِ اسْتَفَادَهُ مِنْ نَفْسِ الْأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ