فهرس الكتاب
قال ابن القيم: ( ولا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ، ولا يعتد به بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولًا قاله إمام ، أو وجهًا ذهب إليه جماعة فيعمل بما شاء من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وفق إرادته وغرضه عمل به فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح ، وهذا حرام باتفاق العلماء ) (1) .
وبهذا يتبين خطأ من اعتقد أن الخلاف ومعرفته يوظف للتيسير على الناس .
وما أجمل كلمة الشاطبي رحمه الله حين قال: فإذا عرض العامي نازلته على المفتي ، فهو قائل له: ( أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق ) فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: ( في مسألتك قولان ، فاختر لشهوتك أيهما شئت ) فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع ... الخ . (2)
الوقفة الثانية:
ذكر الشيخ عبدالله بن بيه ص25 مطلبًا في توظيف اختلاف العلماء لرفع الحرج والمشقة عن الأمة وذلك معنى كون الاختلاف رحمة . ثم قال: فقد فسر الشاطبي رحمة الخلاف بقوله: ( إن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربًا من ضروب الرحمة ، وإذا كان من جملة الرحمة ، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجًا من قسم أهل الرحمة .
وبيان كون الاختلاف المذكور رحمة: ما رُوي عن القاسم بن محمد قال: ( لقد نفع الله باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل ، لا يعمل العامل بعلم رجل منهم إلا رأى أنه في سعة ) .
وعن ضمرة عن رجاء قال: ( اجتمع عمر بن عبدالعزيز والقاسم بن محمد ، فجعلا يتذاكران الحديث ، قال: فجعل عمر يجيءُ بالشيء يخالف فيه القاسم ، قال: وجعل القاسم يشق ذلك عليه ، حتى تبين فيه ، فقال له عمر: لا تفعل ، فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم ) .
(1) إعلام الموقعين (4/265) .
(2) الموافقات (5/97)