الصفحة 6 من 117

وأخرج الشيخان: البخاري (3560) ، ومسلم (2327) من طريق الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: «ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا؛ كان أبعد الناس منه» .

فهذا المقصد الشرعي العظيم، هو من سمات الشريعة المحمدية، ومن محاسن الحنيفية السمحة، بيد أن ذلك لا يسوّغ التساهل في أحكام الشريعة، وإسقاط التكاليف عن المكلفين، وتتبع الرخص، وإشاعتها بين العوام، والفتيا بشاذ الأقوال، ومستغرب الآراء، وغريب الكلام.

وإنما يكون تحقيق هذا المقصد باتباع الكتاب والسنة في هذا، وبذلك يحصل التيسير، ويرتفع الحرج، وتندفع المشقة بين الناس؛ كما يقول تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة) (1)

(1) رواه البخاري في الصحيح معلقًا، وأخرجه أحمد (1/236) ، والبخاري في الأدب المفرد (287) وعبد بن حميد (569) ، والطبراني في الكبير (11/227) من طريق: محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس.

وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وفي رواية داود عن عكرمة مقال. وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (1/94) .

وقال في تغليق التعليق (2/41-42) : «ولم أره من حديثه إلا معنعنًا، وله شاهد من مرسل صحيح الإسناد عند ابن سعد في الطبقات (3/395) من طريق: عارم بن الفضل عن حماد بن زيد عن معاوية بن عياش الجرمي عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون فذكره في قصة.

وله شاهد آخر صحيح مرسل أيضًا، من طريق عبد الرزاق عن معمر (في جامعه الذي طبع ملحقًا بالمصنف 11/194) عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - به». اهـ كلام الحافظ بتصرف يسير.

قلت: وأخرج أحمد (6/116) عن سليمان بن داود عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة أن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ: (لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة) . وسليمان بن داود أظنه الهاشمي، وذهب محققوا المسند، وعامر حسن صبري في (شيوخ الإمام أحمد) إلى أنه: الطيالسي؛ وكلاهما يروي عن عبدالرحمن بن أبي الزناد.

وإذا كان الهاشمي فقد استثنى علي بن المديني حديثه عنه، حيث قال عن عبدالرحمن بن أبي الزناد: «ما حدث بالمدينة فهو صحيح وما حدث ببغداد، أفسده البغداديون» . وقال: «حديثه بالمدينة مقارب، وما حدث به بالعراق فهو مضطرب» . وقال: «وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي فرأيتها مقاربة» . وقد ذكرت التفصيل في حديثه في شرح الترمذي قديمًا، وينظر: التنكيل للمعلمي فقد أطال في تقسيم حديثه.

وهذا الحديث من هذا الطريق، أظن أن أصله ما جاء في الصحيحين: البخاري (في مواضع أولها: 454) ، ومسلم (892) من طريق هشام بن عروة والزهري ومحمد بن عبدالرحمن؛ كلهم عن عروة، عن عائشة في قصة الجاريتين اللتين عند عائشة، تغنيان يوم العيد، وفيه: (دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد) ، وفي رواية: (إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا) ، وفي بعض ألفاظه: قصة لعب الحبشة. وما في الصحيحين أصح. والله أعلم.

وكذا أخرج أحمد (5/266) ثنا أبو المغيرة ثنا معان بن رفاعة حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة -وفيه قصة- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة) . ولا يصح؛ معان متكلم فيه، وعلي بن يزيد لا يحتج به.

وأخرج ابن سعد في الطبقات أيضًا (1/192) عن محمد بن عبيد عن برد الحريري عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (بعثت بالحنيفية السمحة) . وهذا إسناد صالح، ولكنه مرسل، وبرد ليس بالمشهور.

فبمجموع هذه الطرق يتقوى الخبر ويثبت، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت