فهرس الكتاب
قال ابن القيم رحمه الله: ( نهى النبي × عن التشديد في الدين ، وذلك بالزيادة على المشروع ، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه ؛ إما بالقدر ، وإما بالشرع ؛ فالتشديد بالشرع كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل ، فيلزمه الوفاء به ، وبالقدر كفعل أهل الوساوس ، فإنهم شدّدوا على أنفسهم ، فشُدِّد عليهم القدر ، حتى استحكم ذلك ، وصار صفةً لازمة لهم ) (1) .
ومن الاعتقادات الخاطئة أيضًا اعتقاد بعض الناس أن رضا الله ومحبته في مجرد تعذيب النفس وحملها على المشقة . ويعتقد أن العمل كل ما كان أشق كان أفضل . فيحمل نفسه على المشقة . وهذا اعتقاد خاطئ لأن الأحكام شُرِعت للمصلحة سواء كانت المصلحة فيها مشقة أم تيسير .
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: (ولهذا لما نذرت أخت عقبة أن تحج ماشية حافية ، قال النبي ×:(( إن الله لغني عن تعذيب أختك نفسها ، مرها فلتركب ) )وروي (( أنه أمرها بالهدي ) )وروي (( بالصوم ) )... الخ ) (2) .
فإذا كان التيسير المصادم للشريعة ممنوعًا فكذلك التشديد ممنوع . وقد كان النبي × يشتد إنكاره على المشددين كما في قصة الثلاثة الذين قال أحدهم إنه لا يفطر أبدًا ، والثاني قال إنه يقوم فلا ينام ، والثالث قال إنه يعتزل النساء فقال لهم النبي ×: (( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ) (3) .
فالمفتي والعالم والداعية كما قال الشاطبي رحمه الله يحمِلُ الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور ، فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال .
(1) إغاثة اللهفان (1/207) .
(2) مجموع الفتاوى (25/282) ، وانظر من أنواع التشديد مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (10/622) .
(3) رواه البخاري (9/5063) .