... قلت: فهذه الوقائع الثلاثة -وقد اخترتها على سبيل التمثيل كما تقدم- ربما لو عرضت على بعض الفضلاء لرخّص فيها؛ لتوسّعه في هذا الباب، وعدم مراعاته لضوابط التيسير والترخص ورفع الحرج.
هذا وقد حذر علماء السلف من تتبع الرخص، وشواذ المسائل، وزلات العلماء، وغريب الأقوال، فقد اشتد نكيرهم على من يسلك هذا المسلك.
قال سليمان التيمي: «إن أخذت برخصة كل عالم؛ اجتمع فيك الشر كله» .
قال ابن عبد البر: «هذا إجماعٌ لا أعلم فيه خلافًا» (1) .
وقال الأوزاعي: «من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام» (2) .
وقال الحسن البصري: «شرار عباد الله: ينتقون شرار المسائل يُعمون بها عباد الله» (3) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: «لا يكون إمامًا في العلم من يحدث بالشاذ من العلم» (4) .
وأخرج البيهقي (5) : عن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال:
دخلت على المعتضد فدفع إليّ كتابًا نظرت فيه وكان قد جُمع له الرخص من زَلل العلماء وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: «يا أمير المؤمنين مصنف هذا الكتاب زنديق» . فقال: «لم تصح هذه الأحاديث؟» ، قلت: «الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه» ، فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب.
وقد نصّ الإمام أحمد على من تتبع الرخص فأخذ بها؛ بأنه: فاسق (6) .
بل حكى أبو محمد ابن حزم الإجماع على أن تتبعَ رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، فسقٌ لا يحل (7) .
(1) ينظر: جامع بيان العلم وفضله (2/92) .
(2) رواه البيهقي في الكبرى (10/211) .
(3) نقله في الآداب الشرعية (2/77) .
(4) رواه أبو نعيم في الحلية (9/4) .
(5) في السنن الكبرى (10/211) .
(6) نقله أبو الحسن المرداوي في الإنصاف (29/350-مع الشرح الكبير) .
(7) نقله في الموافقات (4/134) ط.دراز، وينظر: مراتب الإجماع لابن حزم (ص175) .