فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 350

ب- تهيئة المبتلين لمقامات رفيعة في الدنيا والآخرة لايمكنهم الوصول إليها إلا على جسر التعب والابتلاء، وهذا الأمر مشاهد ومعروف؛ فكم من داعية لم ينتشر علمه، ولم تنتشر دعوته وكتبه في الآفاق إلا بعد ابتلائه وتمحيصه؛ وصبره على ذلك، كما مر بنا في محنة الإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله؛ فيقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (( وإذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجلّ الغايات، وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا علي جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة؛ فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة فكم لله من نعمة جسيمة، ومنّة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان ) ) [1] اهـ .

ويلحق بذلك ما يناله المبتلى الصابر من تكفير السيئات ورفعة الدرجات في الآخرة.

جـ- تمحيص الدعاة أنفسهم وتميز الصادق من غيره، فبالابتلاء يعرف الداعية من نفسه مالم يكن يعرفه من قبل، كما تنكشف مواقف الناس من حول الدعاة ويتم تمييز المواقف إزاء المصلحين المبتلين، فيظهر بابتلائهم مَن مِن الناس معهم، ومَن هو ضدهم ومِن أعدائهم، وقد يكون هذا الأمر قبل الابتلاء مختلطًا ملتبسًا عليه، وفي هذا التميز خير كثير للدين وأهله؛ لأن في انفصال الدغل ومعرفة القلوب المريضة فائدة كبيرة في فضحهم، وأخذ الحذر منهم، وعدم المراهنة على الأعداد الكبيرة التي لم يتميز طيبها من خبيثها والذين يُظن أنهم في صف الدعوة، فتأتي الابتلاءات ليتميز هؤلاء عن هؤلاء، وتظهر الأمورعلى حقيقتها.

(1) مفتاح دار السعادة ص321 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت