فهرس الكتاب
ومن سنن الله عز وجل في التغيير أن نصره سبحانه لا ينزل إلا بعد التمحيص والتميز؛ قال تعالى: (( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ... ) ) (آل عمران: 179) .
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (( أي: لا بد أن يعقد سببًا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر ) ) [1] اهـ.
كما أن في الابتلاء خيرًا للدعوة نفسها؛ حيث يصلب عودها، ويصلب عود أهلها، ويثبت للناس مصداقيتهم ومصداقيتها، وهذا هو الذي يميز الدعوات الحقة من الدعوات الزائفة قال تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) ) (الفرقان:31) .
يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (( فلا يكافح ويناضل، ويحتمل الآلام والتضحيات إلا أصحاب دعوة الحق الجادون المؤمنون،الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع وأعراض الحياة الدنيا،بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها،ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عودًا، وأشدهم إيمانًا، وأكثرهم تطلعًا إلى ما عند الله، واستهانة بما عند الناس. عندئذ تتميز دعوة الحق من دعاوى اباطل. وعندئذ تمحص الصفوف؛ فيتميز الأقوياء من الضعفاء. وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها، واجتازوا امتحانها وبلاءها.
(1) تفسير ابن كثير: عند الآية ( 179 ) من سورة آل عمران .