فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 350

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (( فليتأمل العبد سياق هذه الآيات، وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم فإن الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم:آمنا وإما ألا يقول ذلك؛بل يستمر على السيئات والكفر، فمن قال:"آمنا"امتحنه ربه وابتلاه وفتنه والفتنة: الابتلاء والاختبار ليتبين الصادق من الكاذب - ومن لم يقل:"آمنا"فلا يحسب أنه يُعجز الله ويفوته ويسبقه فإنه إنما يطوي المراحل في يديه.

وكيف يفر المرء عنه بذنبه إذا كان تُطوى في يديه المراحل

فمن آمن بالرسل وأطاعهم، عاداه أعداؤهم وآذوه فابتلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم ولم يطعهم؛ عوقب في الدنيا والآخرة فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا المؤلم له أعظم ألمًا وأدوم من ألم اتباعهم .

فلا بد من حصول الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإيمان. لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء ثم يصير إلى الألم الدائم، وسئل الشافعي رحمه الله: أيهما أفضل للرجل يُمكّن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكَّن حتى يبتلى... إلى أن قال رحمه الله تعالى:... ومن تأمل أحوال العالم، رأى هذا كثيرًا فيمن يعين الرؤساء علي أغراضهم الفاسدة وفيمن يعين أهل البدع على بدعهم هربًا من عقوبتهم، فمن هداه الله، وألهمه رشده، ووقاه شر نفسه، امتنع من الموافقة على فعل المحرم، وصبر على عدوانهم ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة كما كانت للرسل وأتباعهم كالمهاجرين والأنصار، ومن ابتلي من العلماء، والعباد، وصالحي الولاة والتجار وغيرهم.

ولما كان الألم لامحيص منه ألبتة، عزَّى الله سبحانه من اختار الألم اليسير المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله: (( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ) [ العنكبوت:5 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت