فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 350

وإن التغيرات الحاصلة اليوم في حياة الناس الاقتصادية في أكثر بلدان المسلمين يجب ربطها بالمقدمة السابقة حتى تتم الاستفادة من جوانب الخير والرحمة التي يريدها الله عز وجل من هذه التغييرات التي يضيق بها كثير من الناس ولا ينظرون إلا إلى جانب الشر فيها، ولا ينتفع من هذه التغييرات إلا من فهم المقدمة السابقة في ضوء قوله تعالى: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ) ).

وقبل أن نتعرف على ما قد يكون في هذه التغيرات من عبر وحكم، أقف وقفتين عند آيتين من كتاب الله عز وجل لهما تعلّق ومساس بالموضوع.

الوقفة الأولى: عند قوله تعالى: (( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) (لأنفال:25) .

يقول القرطبي رحمه الله: (( قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب ) ) [1] اهـ.

وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (( وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبات القدرية أوخففتها، ولا يكاد الرب تعالى يجمع على العبد بين العقوبتين إلا إذا لم يف أحدهما برفع موجب الذنب، ولم يكف في زوال دائه.

وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية ، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم، والشرعية تخص، فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعًا إلا من باشر الجناية أو تسبب إليها.

وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة؛ فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة، وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يُعمِّم الله بعقابه )) [2] اهـ.

(1) تفسير القرطبي: عند الآية ( 25 ) من سورة الأنفال .

(2) الجواب الكافي ص132 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت