فهرس الكتاب
وإن عزة الإسلام لابد لها من تضحيات، ولابد لها من الابتلاء والتمحيص ليتميز الطيب الذي يستحق نصر الله عز وجل من الخبيث الذي يذهب جفاءً، ولابد لذلك من مخاض ولابد للمخاض من آلام، ولكن ماذا تساوي الآلام وماذا تساوي التضحيات التي يعتز بها دين الله الذي ينتقل فيه الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن سخط الله وعقابه إلى مرضاته وجناته.
إنها والله لا تساوي شيئًا ولو كان فيها الآلام والدماء فهي خير لما تورثه من استقرار لحقيقة الإيمان ولو في قلب واحد من قلوب البشر، فكيف باستقرارها في قلوب الآلاف المؤلفة، وفي الأرض جميعًا؟
ويجلي سيد قطب رحمه الله تعالى هذه الحقيقة فيقول: (( الإنسان ليأخذه الدهش والعجب، كما تغمره الروعة والخشوع، وهو يستعرض ذلك الجهد الموصول من الرسل، صلوات الله عليهم وسلامه لهداية البشرية الضالة المعاندة.
ويتدبر إرادة الله المستقرة على إرسال هؤلاء الرسل واحدًا بعد واحد لهذه البشرية المعرضة العنيدة.
وقد يعن للإنسان أن يسأل: ترى هل تساوي الحصيلة هذا الجهد الطويل، وتلك التضحيات النبيلة من لدن نُوح عليه السلام إلى محمد عليه الصلاة والسلام، ثم ما كان بينهما وما تلاهما من جهود المؤمنين بدعوة الله وتضحياتهم الضخام؟