فهرس الكتاب
ولا يقصد بهذه الحياة الطيبة ما يفهمه كثير من أبناء الدنيا الغافلين عن الله عز وجل والدار الآخرة من أنها التنعم بالأموال والأولاد والمأكولات والمشروبات واللذائذ الدنيوية.كلا؛ فهذه يشترك فيها معهم الحيوانات والكفار وغيرهم، ولكن الحياة الطيبة التي تشير إليها الآية الكريمة شيء آخر وشأن عظيم لا يناله إلا المؤمن العامل للصالحات، وذلك فيما ينعم به العبد المؤمن من النعيم القلبي والسرور النفسي ولو كان في ما يظهر للناس فقيرًا بائسًا مريضًا.. إلخ.
ولما كانت الأعمال الصالحة سببًا في طمأنينة القلب وسكينته وإنابته إلى ربه عز وجل فإنها تكون بذلك من أقوى الأسباب في تفهم سنة الله عز وجل في عباده فيما يقضيه من الخير أو الشر، ويصبح العبد مطمئنًا إلى ربه راضيًا بما يختاره له سبحانه، مفوضًا أمره إلى مولاه عز وجل، وإلى ذلك يشير الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الصحيح والذي فيه: (( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه.. الحديث ) ) [1] .
وفي هذا أعظم هداية، ونورٌ يستضيء به العبد في حياته، وينعم به في قلبه.
كما تجدر الإشارة هنا إلى أثر الأعمال الصالحة في صفاء القلب وسلامته من أدران الشبهات والشهوات، واللذان هما البابان المفتوحان للشيطان؛ لا يدخل على القلب إلا عن طريقهما؛ فإذا أقفل هذان البابان بما في القلب من أنوار التوحيد، وتلاوة كتاب الله عز وجل والأعمال الصالحة فإن القلب بذلك يسلم مما يورده الشيطان من الشبهات والشكوك في قضاء الله وقدره، وعندها يحصل الاستسلام والانقياد وتفويض الأمور إلى الله عز وجل العليم الحكيم البر الرحيم.
(1) رواه البخاري/ ك .الرقاق / باب ( 38 ) التواضع [ 11 / 348 ( 6501 ) فتح ] .