فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 350

5ـ مشاهدة بر الله عز وجل وإحسانه وتقصير النفس وعصيانها:إن في مشاهدة آلاء الله عز وجل، ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، ونزولها المدرار المتواتر من الرب عز وجل إلى عبده لهي من أكبر الأسباب الجالبة لصحة المحبة لله سبحانه، والثقة في رحمته، والاستسلام لحكمه. فإذا أضيف إلى ذلك الخير والعطاء تقصير النفس، وعيوبها، وذنوبها فإن العبد والحالة هذه يستحي أشد الحياء من ربه، ويعلم أنه يتقلب في فضل الله ورحمته، وإن أصابه شيء فإنه يوقن بعدل الله وحكمته، وأنه أهل لذلك، وما عفا الله عنه أكثر. حينئذٍ لا يرى العبد لنفسه فضلا على أحد؛ وهذا يدفعه ويوجهه إلى الاعتناء بنفسه، وإصلاح عيوبها، ويلتمس ما يرضي ربه فيتوجه إليه بالعمل، ومن كان هذا شأنه فإنه يعيش مطمئن القلب، بعيدًا عما يتنافس فيه الناس، ويتحاسدون، ويتباغضون، يرى أن النعم ليست دلالة على الإكرام، كما أن الضيق في الرزق ليس علامة على الإهانة، بل إنه يزن نفسه ويزن الناس بميزان التقوى الذي هو أساس التفاضل فإذا انضم إلى ما سبق معرفة العبد لعقله الضعيف المحدود وتفكيره القاصر، فإنه يطامن من غلوائه، ويعلم أن الله عز وجل حكيم في كل أحكامه ، عليم بما يصلح عباده وأنه لا طاقة للعقل في إدراك الحكمة في كل شيء؛ عندئذ يحصل الرضا والتسليم لما يختاره الله عز جل، لأنه سبحانه أعلم وأحكم، وأرحم وأبر.يقول ابن القيم رحمه الله تعالى عن هذه المشاهدة: (( ومنها أنه إذا شهد نفسه مع ربه مسيئًا خاطئًا مفرطًا مع فرط إحسان الله إليه في كل طرفة عين، وبره به، ودفعه عنه، وشدة حاجته إلى ربه، وعدم استغنائه عنه نَفَسًا واحدًا، وهذه حاله معه!فكيف يطمع أن يكون الناس معه كما يحب، وأن يعاملوه بمحض الإحسان!وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة؟!. وكيف يطمع أن يطيعه مملوكه وولده وزوجته في كل مايريد،ولا يعصونه،ولا يخلّون بحقوقه وهو مع ربه ليس كذلك؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت