الصفحة 108 من 115

وأنتَ تتوضأ وضوءك للصلاة، هل تتوضأ وضوءًا عاديًا مألوفًا، ربما تنتهي من الوضوء وأنت لم تتذكر أنك تتوضأ؟ أم أنك تقوم بهذا العمل الجليل وأنت تسمع بأذُنك وتؤمن في قلبك، بما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه: مسلم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء} أبواب الجنة الثمانية تفتح لك خلال دقيقتين فقط، تقوم بهما بعمل الوضوء بنية واحتساب، فتُفتح لك أبواب الجنة الثمانية، تختار أيَّها شئتَ لتدخل منها، والحديث رواه الترمذي وزاد: {أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين} .

وأنت تقرأ القرآن، سواءً كنت تقرؤه في مثل هذا الشهر الكريم، الذي هو شهر القرآن، أم تقرؤه في أي وقت من ليل أو نهار، هل تقرأ هذا القرآن هَذًَّا كَهَذِّ الشعر، همُّك الوصول إلى نهاية السورة أو إلى نهاية الجزء، أو إلى نهاية المصحف، أو أن تقول للناس: ختمت القرآن مَرَّةً أو عشرًا أو مائة؟ أم أنك تقرأ وأنت تعلم أن لك ما أخبر به الصادق المصدوق -عليه صلوات الله تعالى وسلامه- في حديث ابن مسعود، الذي رواه الترمذي بسند صحيح: {من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول:"ألم"حرف، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ} .

إذًا: احسب وأنت تقرأ القرآن، أن الحساب يوم القيامة على قراءتك القرآن، ليس بعدد السور التي قرأتَها، ولا بعدد الأجزاء، ولا بعدد الصفحات، ولكن بعدد الحروف، فاحسب كل حرف تلفظ به فمك عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وبإمكانك أن تحسب سورة من أقل سور القرآن الكريم عددًا في الآيات، كسورة العصر -مثلًا- أو سورة الكوثر، واحسب عدد آياتها، ثم عدد حروفها، واضرب ذلك في عشرة لتعرف مقدار ما أعد الله لك من جزيل الثواب، إذا كان هدفك الأجر والاحتساب في مثل هذا العمل العظيم.

صيام رمضان وقيامه إيمانًا واحتسابًا

وأنت تصوم في شهر رمضان أو في غيره، هل تتذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه} .

من صام رمضان إيمانًا بوجوب الصيام، وإيمانًا بأنه من أركان الإسلام، وإيمانًا بأنه قربة إلى الملك العلام، واحتسابًا للأجر عند الله تعالى على ذلك الصيام، أي: أن الإنسان يجوع، يمسه الجوع ويمسه العطش، وقد يصيبه الصداع في رأسه، وقد يصيبه الضعف في بدنه؛ لكنه يفعل ذلك كله احتسابًا وهو يفرح به، يفرح بهذا الجوع، وبهذا العطش، يفرح بما يلقاه في سبيل الله؛ لأنه أثر العبادة، وقد كان الناس أهل الدنيا وأهل الماديات يفرح أحدهم بما يصيبه من أجل حبيبه.

إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألمُ

أفلا تقول هذا أنت لرب العالمين؟ إذا كان هذا الألم الذي تلقاه هو من أجل الله ولوجه الله واحتسابًا، فإنك تفرح وتُسَرُّ به؛ لأنه أثر العبادة، وهو يُرضي الربَّ جلَّ وعلا، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الصحيح المتفق عليه: {لَخَلُوفُ فَمِ الصائم أطيبُ عند الله من رِيح المسك} .

الرائحة الكريهة للناس، من أثر خلو المعدة من الطعام، أطيب عند رب العالمين من رائحة المسك الفواح.

وهكذا الحال بالنسبة للقيام، هل تقوم موافقة للناس أو معهم، أو استحسانًا لأصوات القراء الفضلاء؟ أم أنك تقوم ابتغاء ما عند الله، ورجاء أجره وثوابه، وتطلبًا لما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة: {من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه} قد يقول كثير من الإخوة: وهل يقوم الإنسان إلا إيمانًا واحتسابًا؟

فأقول: مع أن أكثر المصلين إنما يصلون إيمانًا واحتسابًا، والذين يأتون لغير ذلك من الأغراض، سواء كانت أغراضًا دنيوية، أم أغراضًا سيئة، هُم -بحمد الله- قليل، إلا أن الذين يأتون إيمانًا واحتسابًا، بينهم من التفاوت في المنازل بَون عظيم وفرق شاسع: فمنهم من يأتي بنية، ولكنها نية غامضة مبهمة غير محددة، ومنهم من يستحضر النية في كل عمل، وفي كل حركة، وفي كل ليلة، ويتذكر هذه الأحاديث، وهذا من بركة حضور مجالس الذكر، وسماع المواعظ، أن العبد إذا سمع ما وعد به الله تعالى، أو ما وعد به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كان إقباله على العمل والعبادة إقبالًا بصدق ونية واحتساب، وليس إقبالًا بحكم العادة والإلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت