فهرس الكتاب
ولهذا يقول الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه في كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحُسبة، ولكل امرئ ما نوى، يقول: فدخل فيه الإيمان كما سبق: {مَن قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله} والوضوء -كما سبق أيضًا- والصلاة -كما سبق- والزكاة، والحج، والصوم، والأحكام، كل ذلك إنما هو بالعمل والنية، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: {لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونِيَّة} .
ثم ساق البخاري -رحمه الله تعالى- قول الله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء:84] .
كل يعمل على شاكلته أي: على نيته، فهذا يعمل للدنيا، وذاك يعمل للآخرة، العمل واحد والثمرة مختلفة، يَرِدُون موردًا واحدًا، ويَصْدُرون مصادر شتى، بينهم من الفروق كما بين المشرق والمغرب، أو كما بين السماء والأرض، بل كما بين الجنة والنار، ولذلك جاء في حديث عمر رضي الله عنه: {العمل بالنية} وفي لفظ: {إنما الأعمال بالنيات} .
النية تدخل في أعمال الدنيا
أيها الإخوة! ليس هذا الأمر مقصورًا على العبادات فقط، بل حتى أعمال الدنيا، فالعبادات أمرها معروف، لكن حتى أعمال الدنيا، إذا اقترن بها الاحتساب واقترنت بها النية تحولت إلى قُرُبات يُثاب عليها العبد، فأما موضوع الأعمال الصالحة فحدِّث ولا حرج، خذ -على سبيل المثال- القتل، هل هناك أعظم من أن يقدم الإنسان رقبته لتقطع في معركة من المعارك أو في موقف من المواقف؟ هذا أعظم الجود.
يجود بالنفس إن ضن البخيل به ... والجودُ بالنفس أقصى غاية الجودِ
لكن فرق بين مَن يُقتل في سبيل الدنيا، أو يُقتل من أجل المغنم، أو يُقتل من أجل الزعيم والرئيس، أو يُقتل من أجل الوطن والتراب والطين، فرق بين مَن يُقتلون في سبيل الطاغوت وبين مَن يقتل في سبيل الله تعالى صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، ولهذا في الصحيح: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: {يا رسول الله! أرأيتَ إن قُتِلْتُ صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، يُغفَر لي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: نعم، ثم نزل جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فتغشاه من الوحي ما كان يتغشاه، فلما سُرِّي عنه قال: أين السائل؟ قال: ها أنا يا رسول الله! قال: كيف قلتَ؟ قال: أرأيت -يا رسول الله- إن قُتِلْتُ صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر، يُغفر لي؟ قال: يغفر لك كل شيء إلا الدَّين، أخبرني بذلك جبريل آنفًا} .
إذًا: الاحتساب لا بد منه في كل عمل عظيم، كالقتل، أو عمل يسير كالخطوة التي تمشيها إلى المسجد، أو الغصن الذي تعزله عن الطريق، أو الكلمة الطيبة التي تقولها لفلان أو فلان، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: {كان رجل من الأنصار ليس بالمدينة رجل أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فقيل له: يا فلان! لو اشتريت حمارًا تركبه في الرمضاء وفي الظلماء -كان يأتي على قدميه إلى المسجد- قال الرجل: ما أحب أنَّ بيتي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتَب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي} .
إذًا، الاحتساب وارد في هذه الحالة فأنا أمشي أريد أن يُكتب لي كل خطوة أمشيها إلى الصلاة، وكل خطوة أعود بها من المسجد إلى بيتي، فلما قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، قال: {قد جمع الله لك ذلك كله} وفي رواية لمسلم -أيضًا-: {فإن لك ما احتسبت} فما دام المسألة مسألة احتساب فكل خطوة تمشيها إلى المسجد مكتوب لك أجرها وبرها وذخرها عند الله تعالى، وكل خطوة تمشيها من المسجد إلى بيتك راجعًا فهي مكتوبة لك أيضًا.
الاحتساب يدخل في ترك المعاصي
أيها الإخوة! هذا في الطاعات، أما في الكف عن المعاصي فالأمر كذلك؛ فرق بين من تجنب الخمر -مثلًا- لأنه يخشى أن تضر بصحته، أو يخشى أن تكون فضيحة له، أو يخشى أن تذهب بعقله فحسب، فهذا عمله حسن، وهو من خصال المروءة، وقد كان بعض أهل الجاهلية يتركونها، ويقول أحدهم:
فلا والله أشربها صحيحًا ... ولا أشفى بها أبدًا سقيمًا
ولكن ليس له الأجر الذي لذلك الذي ترك الخمر وهو يقرأ قول الله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90] ويسمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتفق عليه أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: {من شرب الخمر في الدنيا، ثم مات ولم يتب منها، لم يشربها في الآخرة} .