الصفحة 110 من 115

إذًا يترك الخمر في الدنيا، ولو كانت نفسه تميل إليها أو تشتهيها، ويتوب منها، ويقلع عنها؛ لأنه يَرِدُ في اعتباره وحسابه ادخار ذلك لخمر في الجنة لا تقاس بخمر الدنيا، قال الله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] إذًا: يحتسب بترك الخمر خمر الجنة يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ [الطور:23] .

ومثله: لباس الحرير، الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: {من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة} .

ومثله: ترك نساء الدنيا بالحرام؛ لأنه يريد عند الله تعالى حورًا حسانًا أُعْدِدْن للرجال الصالحين المؤمنين الأتقياء الأعفاء، ولو تطلعت نفسه، وتاق ضميره، وتحركت شهوته، إلا أن اليقين الصادق بموعود الله تعالى في الجنة يجعله يدخر هذا الأمر، ويترك العاجل لموعد غيب لم يرَه، ولكنه آمن به، ولذلك كان أعظم ما مدح الله به الأنبياء أو الصالحين هو الإيمان بالدار الآخرة، والإعداد والاحتساب له، قال الله -عزَّ وجلَّ-: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ [ص:46] خصصناهم بخصيصة، ميزة، نعمة أكرمهم الله تعالى بها وفضَّلهم، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46] وارد في حسابه ذكر الدار الآخرة، وذكراها، والإعداد لها، والترك من أجلها، والفعل من أجلها: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [ص:47] .

وأعظم ما ذم الله تعالى به الكفار والملحدين أنهم لا يؤمنون بالدار الآخرة، وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ [المؤمنون:74] وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر:27] .

فإذا نسي الإنسان الجنة والنار، ويوم الحساب، ونسي الميزان، ونسي الاحتساب، اختلت الحسابات عنده: لماذا يترك الربا وفيه أموال هائلة طائلة سوف تحصل له؟ لماذا يتركه، إذا لم يكن عنده مبدأ الاحتساب والنية؟ لماذا يترك الحرام وقد تيسر له؟ ما دام أنه ليس عنده نية واحتساب، ولم يَرِدْ في قلبه وضميره وعقله ووجدانه الخوف من الله، أو الرجاء في ثوابه، وهذا هو سبب انحراف المنحرفين، وهو أيضًا سبب طاعة الطائعين.

احتساب الأجر عند الصبر على الأقدار

وقل مثل هذا وذاك في موضوع الصبر على أقدار الله -عزَّ وجلَّ- فإن العبد قد يبتلى في نفسه، أو ماله، أو أهله، أو ولده، فهنا يصبر العبد المؤمن صبر المحتسب الراجي ثواب الله -عزَّ وجلَّ- وأجره وموعوده، لا صبر الإنسان الذي لا حيلة له، صبر المضطر الذي ليس بإمكانه الدفع والمنع، ولهذا قرن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأجر بالصبر، ففي حديث عمرو بن شعيب، -رحمه الله- أن رجلًا مات ابن له، فكتب إليه عمرو بن شعيب -كما في سنن النسائي - كتب إليه كتابًا، يعزيه في ولده الذي هلك، ويقول له: إنه حدَّثه أبوه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: {إن الله تعالى لا يرضى لعبده المؤمن إذا قَبَضَ صفيَّه من أهل الدنيا -يعني: حبيبه-، فصبر واحتسب، وقال ما أُمر به بثواب دون الجنة} .

فإذا مات قريب، أو حبيب، أو ولد، أو صاحب، فصبر واحتسب، وقام بما أُمر به لم يرضَ الله تعالى له بثواب دون الجنة فيصبر صبر المحتسب، لا صبر المضطر، ومثله حديث أسامة بن زيد، وهو في الصحيحين: أن ابنًا لبنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حضره الموت، فبعثت إلى أبيها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تقول: إن ابني قد حُضِر، جاءه الموت فأتنا، فبعثَ إليها رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول لها: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ فلتصبر ولتحتسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت