السبب الخامس: زوال المانع، فإن الله لا يجيب الإنسان الذي يأكل الحرام، كما ورد في صحيح مسلم: {ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!} فالذي يأكل الحرام من ربا، أو يأكل أموال اليتامى ظلمًا، أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو بالغش أو بالحلف الكاذب، أو ما أشبه ذلك فلا يستجاب له.
وكذلك من أعظم موانع استجابة الدعاء: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله تعالى يقول -كما ورد في حديث مروي من طرق-: {يا أيها الناس! مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم} فإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يأمرون أنفسهم ولا أولادهم ولا جيرانهم، ولا يأمرون الناس عامةً في المجتمع، فإن الله تعالى يحرمهم من إجابة الدعاء.
مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان
الوقفة السابعة عشرة: مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في رمضان:
صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - لعاشوراء
وذلك {حين قدم المدينة فوجدهم يصومون عاشوراء، فسأل عن سبب صيامه فقيل: يوم نجى الله فيه موسى وقومه، وأهلك فرعون وقومه، فقال: نحن أحق بموسى منهم، فصامه وأمر بصيامه} .
حتى قال جماعة من أهل العلم: إنه كان واجبًا، وثبت في صحيح مسلم من حديث الربيّع أنها قالت: {كنا نصوم عاشوراء ونُصَوِّم صبياننا، حتى يبكي أحدهم على الطعام فنعطيه اللعبةً من العهن يلعب بها حتى يكون عند الإفطار، وقد أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى القرى التي حول المدينة: من أصبح صائمًا فليصم، ومن أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه فلما فرض رمضان كان يوم عاشوراء سنة من شاء صامه ومن شاء لم يصمه} .
وأول ما فرض رمضان كان على التخيير، إن شاء صام وإن شاء أطعم، ثم ألزم الناس بالصيام قال الله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] وصار الإطعام للشيخ الكبير والمريض، والمرضع والحامل إذا خافتا ومن في حكمهما، لكن كان الإنسان إذا أفطر في المغرب ثم نام العشاء -مثلًا- لا يجوز له أن يأكل، وفي صحيح البخاري أن رجلًا من الأنصار كان يعمل طيلة النهار في مزرعته، فلما جاء الليل قال لزوجته: هل عندك شيء؟
قالت: لا، لكن أذهب أبحث لك، فذهبت تبحث له عن طعام فلما جاءت وجدته نائمًا، فقالت له: ياخيبةً لك! لأنه نام ومعنى ذلك أنه لا يجوز له بعد نومه أن يأكل شيئًا، وكان متعبًا، فلما كان في النهار أغمي على هذا الرجل لشدة الجوع والتعب والإعياء، فنزلت الرخصة، وأذن الله تعالى للمسلمين أن يأكلوا ويشربوا حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستقرت الشريعة على ذلك.
وكانت فريضة رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع رمضانات، وكان عليه الصلاة والسلام يكثر من العبادة في رمضان، حتى إنه ربما واصل اليومين والثلاثة لا يأكل خلالهما تفرغًا للعبادة، فلما واصل أصحابه قال: {إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقين} وقد تكلم الإمام ابن القيم في زاد المعاد في أول الجزء الثاني عن هذا الحديث، وفصل وبين ما معنى قوله:"يطعمني ويسقيني"بما لا داعي لذكره هاهنا لضيق الوقت، والمقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - واصل في رمضان ليتفرغ لعبادة ربه، وكان يكثر من قراءة القرآن، كما سبق أنه كان مع جبريل يدارسه القرآن.
من أحواله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يفطر يعجل في الإفطار، فيفطر قبل صلاة المغرب ثم يصلي، وكان يؤخر السحور أيضًا، فيتسحر ثم لا يكون بين سحوره وصلاة الفجر إلا وقت يسير.
وسافر النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان أسفارًا، منها سفر لغزوة بدر، ومنها سفر لفتح مكة وغيرها، فربما صام وربما أفطر في سفره عليه الصلاة والسلام، ففي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال: {كنا في سفر، في يوم شديد الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة} وفي السنن عن ابن عباس بسند صحيح، أنه قال: {كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يدع صيام أيام البيض في حضر ولا سفر} وربما أفطر - صلى الله عليه وسلم - في سفره، فكان يفعل هذا تارةً وهذا تارة، وأمر أصحابه مرة بالفطر، ولما أصر بعضهم على الصيام قال: {أولئك العصاة أولئك العصاة} كما في صحيح مسلم.
ومما حدث له عليه الصلاة والسلام في رمضان أنه كان يزداد جوده، كما ثبت في حديث ابن عباس كما سبق، ومن الأحكام التي بينها - صلى الله عليه وسلم - بفعله: أنه كان يدركه الفجر وهو جنب ثم يغتسل ويصوم كما ذكرت عائشة.
السواك وأحكامه
الوقفة الثامنة عشرة: تتعلق بالسواك.
والسواك مشروع في كل وقت، خاصة في المواضع التي ورد النص عليها، وهي ستة مواضع.
مواضع السواك