فإذا كان الأب رجلًا يستطيع أن يحافظ على أولاده وبناته فحبذا، ولا شك أن في الذهاب بهم إلى هناك فائدة وتربية وخير، فهو بلد طيب مبارك ووقت طيب مبارك، تضاعف فيه الحسنات، فهذا أمر محمود، لكن إن كان عاجزًا عن رعايتهم وحياطتهم ومراقبتهم وضبط تصرفاتهم، فليبق حيث هو في بلده ولا داعي لأن يتسبب لنفسه ولغيره بالضرر العظيم.
الملاحظة الرابعة: من الملاحظات التي تلحظ في موضوع العمرة: أن كثيرًا من الناس خاصة الأئمة، ومن يكونون مرابطين على الثغور في الأمر والنهي والتوجيه والإصلاح والإمامة والحديث؛ يتركون أعمالهم ويذهبون إلى هناك، حيث يعتمرون ويقيمون في العشر الأواخر.
ولا شك أن من كان مرتبطًا بإمامة أو حديث أو وعظ، أو وظيفة يحتاج إليها المسلمون؛ فإن الأولى في حقه -بل الأوجب عليه- أن يبقى حيث هو وفي ذلك من الخير ما فيه، فإن احتاج ذهب إلى العمرة على السيارة أو الطائرة يومًا أو يومين، ثم يعتمر ويدعو ثم يعود إلى محله الذي هو فيه.
فإنه من غير المناسب أن تخلو المساجد أو المرافق من الوعاظ والمرشدين والمحدثين والأئمة، وهذا يحدث في أفضل الأوقات وهى أوقات العشر، فإذا أحب الإنسان أن يعتمر ويدرك الفضيلة؛ فبإمكانه أن يذهب يومًا أو يومين فيعتمر ويعود إلى عملة، الذي كان فيه.
وقفة مع الاعتكاف
الوقفة الثانية والعشرون حول الاعتكاف.
والاعتكاف هو لزوم مسجد بنية مخصوصة لطاعة الله تعالى، وهو مشروع مستحب مسنون باتفاق أهل العلم.
حكم الاعتكاف وإهمال الناس له
قال الإمام أحمد فيما رواه عنه أبو داود: لا أعلم أحدًا من العلماء إلا قال إنه مسنون. يعني الاعتكاف.
وقد نقل عن الإمام مالك أنه قال: تأملت أمر الاعتكاف وما ورد فيه، وكيف أن المسلمين تركوه، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتركه، فرأيت أنهم إنما تركوه لمشقة ذلك عليهم -أي أن فيه مشقة- قال مالك: ولم أعلم عن أحدًا من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن.
وما قاله الإمام مالك متعقب؛ فإنه نقل عن جماعات من السلف أنهم كانوا يعتكفون، ومن ذلك أمهات المؤمنين كما سوف يأتي.
ولذلك قال الزهري رحمه الله: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل.
سر الاعتكاف
والاعتكاف فيه سر عظيم من أسرار العبادة، وذلك لأن المدار في حياة الإنسان وأعماله على القلب، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه: {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله} .
وأكثر ما يفسد القلب هي الشواغل والملهيات التي تلهيه عن الإقبال على الله عز وجل؛ كالاشتغال بالطعام والشراب والشهوات، وفضول الكلام وفضول النوم وفضول الصحبة، وغير ذلك من الأمور الضارة التي تصرف القلب عن الإقبال على الله عز وجل، وتفرقه وتشتته حتى لا يكاد يلتم ويجتمع على عبادة أو طاعة.
سر الربط بين الصيام والاعتكاف
وشرع الله تعالى الصيام حتى يتخلص القلب ويتخفف من فضول الطعام والشراب والشهوة؛ لأن الإنسان في نهار رمضان يمتنع عن الأكل والشرب والجماع من الفجر إلى غروب الشمس، وهذا امتناع معتدل ليس فيه ما في الأديان الأخرى والمذاهب الأرضية الباطلة من الغلو، كما يفعل بعضهم فيصومون شهرًا كاملًا، وبعضهم يجورون على الجسد فيمنعونه الأكل والشراب والنوم والطعام على مدى أيام وربما شهور، وبعضهم قد يدفنونه في الأرض فيجورون على أجسادهم، فليس هذا في الإسلام بل فيه حِمية معتدلة، هذا بالنسبة للصيام.
ثم شرع الله تعالى الاعتكاف؛ حتى يتخلص الجسد والقلب من فضول صحبة الناس التي لا خير فيها، والتي قد تزيد فتصبح مثل ما إذا أصيب الإنسان بالتخمة من كثرة الطعام والشراب، ولذلك قال الشاعر:
عدوك في صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
فكما أن الإنسان إذا أكثر من الطعام والشراب أصيب بالتخمة، كذلك إذا أكثر من الصحبة والمجالسة والاختلاط بالناس أصيب بالتخمة من جراء ذلك، فمرض القلب واعتل، فكان الاعتكاف حِمية للقلب من كثرة الصحبة والاختلاط بالناس.
ثم فيه حِمية -أيضًا- من كثرة الكلام، لأن الإنسان غالبًا ما يعتكف بمفرده، فيقبل على الله تعالى بالصيام والقيام وقراءة القرآن وما أشبه ذلك.
وكذلك فيه حِمية من كثرة النوم، فإن الإنسان إنما اعتكف ليعبد الله تعالى، ولم يعتكف حتى ينام في المسجد، فيكون في ذلك من الإقبال واجتماع القلب على الله تعالى ما ليس في غيره.
ولذلك استحب السلف الجمع بين الصيام والاعتكاف، حتى قال ابن القيم رحمه الله: إن جمهور السلف على أنه لا اعتكاف إلا بصوم.
بل صح هذا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: [[لا اعتكاف إلا بصوم] ] فرأوا أن الاعتكاف لا يصح إلا بالصيام، وهذا مذهب جماعة من الأئمة؛ وذلك حتى يجمع للإنسان بين الصيام وبين الاعتكاف فيحصل فضائل هذا وفضائل ذاك.