وقال الإمام ابن القيم: إنه لم ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه اعتكف إلا وهو صائم.
وهذا الذي قاله رحمه الله فيه بعض النظر كما سيأتي. فقد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في شوال، ولم يثبت أنه كان صائمًا في هذه الأيام التي اعتكفها، ولا أنه غير صائم، فالأمر على ذلك غير ظاهر.
ولكن الأصح أن يقال: يستحب للإنسان ألا يعتكف إلا بصيام.
هذه إشارة إلى بعض حكمة مشروعية الاعتكاف وجمع الصيام معه، كما هو مذهب جماهير السلف كما نقله ابن القيم، وثبت عن عمر وابن عباس وعائشة رضى الله عنهم، وبه قال مالك والأوزاعي والإمام أبو حنيفة، واختلف النقل في ذلك عن الإمام أحمد والشافعي.
إطلالة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في معتكفه
إذًا: النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف؛ ولذلك يجدر بنا أن نطل إطلالة سريعة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في معتكفه، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتكف العشر الأول من رمضان يلتمس ليلة القدر، ثم اعتكف العشر الأوسط من رمضان، فلما خرج الناس من معتكفهم قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب بهم، وقال: {إني أريت ليلة القدر في العشر الأواخر، وإني أريت صبيحتها كأني أسجد على ماء وطين، فمن كان معتكفًا معي فليرجع إلى معتكفه} .
والحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري، فرجع الناس إلى معتكفهم -أي: اعتكفوا عشرة أيام أخرى، وهي العشر الأواخر من رمضان-.
قال أبو سعيد: وما نرى في السماء من قزعة حتى كان تلك الليلة، فجاءت سحابة فأمطرت، وكان سقف المسجد من جريد النخل، فسال سقف المسجد، قال: ورأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد على ماء وطين، والتفت إلينا وإن أثر الطين على جبهته وأنفه - عليه الصلاة والسلام- فتحققت نبوءته - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وتبين أن تلك الليلة كانت ليلة القدر، وكانت ليلة إحدى وعشرين، فاعتكف صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان، ثم حافظ بعد ذلك على الاعتكاف في العشر الأواخر، كما في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: {كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده} .
وفي العام الذي قبض فيه - صلى الله عليه وسلم - اعتكف -أيضًا- عشرين يومًا، أي: اعتكف العشر الأوسط مع العشر الأواخر، وذلك لأسباب:
منها -والله تعالى أعلم-: أن جبريل عارضه القرآن في تلك السنة مرتين -كما سبق- فناسب أن يعتكف النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرين يومًا حتى يتمكن من معارضة جبريل بالقرآن كله مرتين.
ومنها: أن في ذلك مضاعفة العمل الصالح؛ حينما أحس عليه الصلاة والسلام بقرب أجله ودنو وفاته؛ ولهذا قال الله عز وجل لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:1 - 3] فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكثر من التسبيح والاستغفار في آخر عمره.
وهكذا كان يفعل - صلى الله عليه وسلم -، يكثر من أن يقول في ركوعه، وسجوده: {سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي} يتأول القرآن عليه الصلاة والسلام، فاعتكف عشرين يومًا في السنة التي قبض فيها صلى الله عليه وسلم، لمناسبة قرب وفاته ليضاعف العمل الصالح.
وقد يكون من أسرار مضاعفة اعتكافه: أن يكون ذلك شكرًا لله عز وجل على ما أنعم به عليه من هذه الأعمال الصالحة؛ من الجهاد والتعليم، والصيام والقيام وإنزال القرآن، وغير ذلك من الأعمال التي امتن الله تبارك وتعالى بها عليه.
وكان عليه الصلاة والسلام يدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الأيام التي يريد أن يعتكفها، فإذا أراد أن يعتكف العشر الأواسط -مثلًا- دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي عشر، وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل قبل غروب الشمس من ليلة الحادي والعشرين.
وذلك لأن العشر الأواخر تبدأ من غروب شمس يوم عشرين، أما ما ثبت عنه في الصحيح: {أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الفجر ثم دخل معتكفه} فإنما المقصود أنه دخل المكان الخاص في المسجد حيث كان يعتكف في غرفة، كما ورد أنه اعتكف في مكان خاص، -في قبة تركية كما جاء في بعض الروايات- فكان يدخل هذا المكان الخاص، وإلا فقد كان في المسجد منذ غروب الشمس.
ومن طريف ما وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المعتكف ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها {أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج رأسه إليها وهي في المسجد، وهو في الغرفة فترجله، وتسرحه، وتغسله، وهو معتكف - صلى الله عليه وسلم -} وهي كانت حائضًا.