الصفحة 28 من 115

فكان - صلى الله عليه وسلم - يتكئ كما في مسند أحمد على باب غرفتها، ثم يخرج رأسه إليها فترجله، وهذا دليل على أن إخراج المعتكف بعض جسده لا يضر، وليس كإخراج الكل، فلو أن إنسانًا حلف أنه لا يخرج من هذا المسجد فأخرج يده، أو رأسه، أو رجله فإنه لا يعد خارجًا.

ومثله المعتكف، لو أخرج يده أو رجله أو رأسه، فإن هذا لا يضر، وكذلك الحائض لو أدخلت يدها أو رجلها أو رأسها في المسجد لم يكن ذلك ممنوعًا ولا حرج عليها في ذلك؛ لأن هذا لا يعد دخولًا ولا خروجًا.

ومن فوائد هذا الحديث أن المعتكف لا حرج عليه من أن يتنظف، ويتطيب، ويغسل رأسه، ويسرحه، وينظفه، وهكذا فعل - صلى الله عليه وسلم - فإن هذا لا ينافي الاعتكاف.

ومن طريف ما وقع له - صلى الله عليه وسلم - وهو في معتكفه، {أنه خرج يومًا ليعتكف كما في صحيح البخاري فلما أن أراد أن يعتكف رأى - صلى الله عليه وسلم - الخيام منصوبةً في المسجد -أخبية منصوبة- هذا خباء حفصة، وهذا خباء عائشة، وهذا خباء زينب، فتعجب - صلى الله عليه وسلم - وترك الاعتكاف، وقال لأصحابه: آلبر أردْن بهذا؟! أي: هل تظنون أن ذلك من أجل البر، -لا- إنما فعلنه من أجل الغيرة وحرصًا على القرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -} .

وذلك لأن عائشة استأذنت -أولًا- فأذن لها، ثم استأذنت حفصة فأذن لها، ثم فعلت زينب فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأى هذه الأخبية منصوبة، وفيها ما فيها من تضييق المسجد، وفيها ما فيها من المنافسة، كره ذلك - صلى الله عليه وسلم - وأمر بهذه الأخبية فقوضت ثم ترك الاعتكاف - صلى الله عليه وسلم -، فلم يعتكف تلك السنة، فلما كان في شوال اعتكف عشرة أيام، والأظهر والله أعلم أنه اعتكف عشرة أيام من بعد يوم العيد أي: تبدأ من الثاني من شوال. هذا هو الأقرب، ويحتمل أنه اعتكف من يوم العيد، وإذا صح أنه اعتكف من يوم العيد فهذا دليل على أن الاعتكاف لا يشترط معه الصيام؛ لأن يوم العيد لا يصام؛ لكن لا يلزم أن يكون يوم العيد من ضمن أيام الاعتكاف.

ومن طرائف ما وقع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في معتكفه ما رواه الشيخان عن صفية أنها جاءت للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في معتكفه ليلةً فجلست تتحدث معه ساعةً، ثم قامت تنقلب إلى بيتها، فقام معها - صلى الله عليه وسلم - ليقلبها -أي: ربما يؤنسها، أو يزيل وحشتها في الطريق- حتى إذا وكان عند باب المسجد أي عند باب أم سلمة، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرعا.

فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم - على رسلكما أو على هنتكما، أرفقا إنها صفية.

فقالا: سبحان الله! يا رسول الله، وكبر ذلك عليهما، وفي رواية أنهما قالا: أو فيك نظن يا رسول الله، أو فيك يشك يا رسول الله، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، -يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم يعني في عروق الإنسان إلى القلب كالدم- إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا قال مسلم: شرًا.

فمن شدة حرصه - صلى الله عليه وسلم - على صدق إيمان هذين الصحابيين الأنصاريين، وخشيته أن يزيغا بأن يلقي الشيطان في قلوبهما شرًا، فيشكا فيكون ذلك كفرًا، أو يشتغلا بدفع هذه الوسوسة رأى - صلى الله عليه وسلم - أنه لا حاجة لذلك أصلًا، وأنه لا مانع من كشف الموضوع، فقال لهما: إنها صفية بنت حيي، وهي زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وفي هذا الحديث من الدروس الشيء الكثير؛ لكن لا أود أن أقف عندها؛ لأنها دروس خارج موضوع الاعتكاف، وخارج موضوع الصيام.

مكان الاعتكاف

ومما يتعلق بموضوع الاعتكاف أن بعض الباحثين ذهبوا إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؛ المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -.

والصواب أن الاعتكاف جائز في كل مسجد يصلى فيه، ويستحب أن يكون في المسجد الجامع؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة.

فإن اعتكف في مسجد غير جامع فإنه يخرج ليصلي الجمعة ثم يعود؛ وذلك لقول الله عز وجل: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187] فدل ذلك على أن الاعتكاف في كل مسجد جائز، إذا كان مسجدًا تصلى فيه الفروض الخمسة، فإن كان جامعًا فهو أفضل.

أما حديث {لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة} فعلى القول بصحته فإنه مؤول على أن أكمل ما يكون الاعتكاف وأفضل وأوفى ما يكون في هذه المساجد، هذا ما قاله أهل العلم.

وقد انقدح في ذهني تأويل آخر للحديث -وهو في ظني حسن- وهو أن معنى الحديث، أن من نذر أن يعتكف في مسجد يسافر إليه فإنه لا يسافر، إلا أن يكون نذر الاعتكاف في المساجد الثلاثة، فإن الإنسان إذا نذر أن يعتكف في المسجد الحرام -مثلًا- وجب عليه الوفاء باعتكافه، فيعتكف في المسجد الحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت