الصفحة 29 من 115

ولكن لو نذر مثلًا أن يعتكف في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجوز له أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل ومن باب الأولى، ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى -فك الله أسره وطهره من رجس اليهود الغادرين الخائنين- جاز له أن يسافر إلى المسجد الأقصى ليعتكف فيه، وجاز له أن يسافر إلى مسجد المدينة، وإلى مسجد مكة، ليعتكف فيهما، لأنهما أفضل من المسجد الأقصى.

لكن لو فرض -مثلًا- أنه نذر أن يعتكف في مسجد جواثا، وهو أول مسجد صليت فيه الجمعة خارج المدينة وهو بالبحرين بالأحساء والمسجد معروف الآن، فهل يجوز أن يسافر إلى مسجد جواثا ليعتكف فيه؟

لا يجوز أن يسافر ويشد الرحل إليه، لكن يجوز له أن يعوض عن ذلك بأن يعتكف في مسجد من مساجد بلده، أو يسافر إلى أحد المساجد الثلاثة.

فيكون قوله عليه الصلاة والسلام: {لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة} أي: لا اعتكاف ينذر ويسافر إليه؛ ولذلك فإن الأئمة مجمعون خاصةً الأئمة الأربعة، على أنه يعتكف في أي مسجد من المساجد الجوامع، ولا يلزم الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة.

ولم يقل أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين، لا الأربعة، ولا العشرة، ولا غيرهم، إنما نقل هذا عن حذيفة رضي الله عنه، وواحد أو اثنين من السلف.

ومن الملاحظات: في موضوع الاعتكاف، أن بعض الناس يعتبرون الاعتكاف فرصةً للخلوة ببعض أصاحبهم وأحبابهم، وتبادل أطراف الحديث، وكون مجموعة يعتكفون في مسجد، هذا لا حرج فيه؛ بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف، واعتكف معه أزواجه، حتى إن إحدى أمهات المؤمنين اعتكفت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت مستحاضة؛ حتى كانت ترى الدم وهي في المسجد.

إذًا: فلا حرج أن يعتكف الإنسان مع صاحبه، أو قريبه أو حبيبه أو صديقه؛ لكن الحرج أن يكون الاعتكاف فرصةً للأحاديث، والسمر، والسهر، والقيل والقال وما أشبه ذلك.

ولهذا قال الإمام ابن القيم بعدما تكلم عن الاعتكاف وما يفعله بعض الناس، وما يتوسعون فيه من الكلام وغيره قال: فهذا لون، واعتكاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لون آخر، -أي: مختلف تمامًا عن اعتكاف هؤلاء-.

ومن الملاحظات: أن بعض الناس يعتكفون ويتركون أعمالهم وواجباتهم، وبعضهم قد يترك عمله الوظيفي الذي كلف به وألزم به، ويذهب ليعتكف.

وليس من العدل أن يترك الإنسان واجبًا ليفعل السنة، ولذلك يقال لمن اعتكف وترك عمله الوظيفي، إنه يجب عليه أن يقطع الاعتكاف، ويعود إلى عمله الذي ترك.

العشر الأواخر من رمضان

الوقفة الثالثة والعشرون: مع العشر الأواخر.

وبادرنا بهذه الوقفة لأن هذا هو الدرس الأخير ضمن هذه الدروس في هذا الشهر -إن شاء الله-.

اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر

كان - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في العشر مالا يجتهد في غيره من العبادة، ومن ذلك أنه كان يعتكف فيها -كما سبق- وكان عليه الصلاة والسلام يتحرى فيها ليلة القدر، ولذلك جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - {كان إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله، وأيقظ أهله} وزاد مسلم: {كان إذا دخل العشر جدَّ وشدَّ المئزر} .

فقولها:"شد المئزر"قيل: هو كناية عن التشمير للعبادة، وقيل: كناية عن اعتزال النساء، وهذا هو الأقرب أن معنى قولها: شد المئزر، كنايةً عن أنه لا يجامع النساء في العشر الأواخر من رمضان، بل يعتزل أزواجه - صلى الله عليه وسلم -.

وهذه كناية معروفة عند العرب قال الشاعر:

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... عن النساء ولو باتت بأطهار

فمعنى شد المئزر أنه لا يحل إزاره لجماع نسائه، وذلك لأنه كان يعتكف في العشر كما هو معروف.

وكان يجتهد في العبادة، ولذلك قالت عائشة: {شد المئزر وأحيا ليله} وهذا أيضًا كناية عن طول القيام والعبادة بالليل، وأنه كان يقوم الليل كله - صلى الله عليه وسلم -.

فإما أن يكون المعنى أنه كان يقوم الليل كله من أوله إلى آخره، وإما أن يكون المعنى أنه يقوم معظم الليل.

ولذلك جاء في حديثها الآخر في الصحيح: {ما علمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صام شهرًا كاملًا غير رمضان، ولا قام ليلةً كاملة حتى الصباح} فيحمل قولها: {وأحيا ليله} على أنه يقوم أغلب الليل، ومن المعروف أنه يتخلل ذلك العشاء، والسحور، ويتخلل ذلك أشياء مما اعتيد أنه كان يفعلها صلى الله عليه وسلم، فيكون قولها أحيا ليله، أي أغلب ليله.

نصيحته لأهل بيته - صلى الله عليه وسلم -

{وأيقظ أهله} أي: يوقظ أزواجه عليه الصلاة والسلام للقيام، ومن المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوقظ أهله في سائر السنة؛ لكن كان يوقظهم لقيام بعض الليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت