ولهذا جاء كما في صحيح البخاري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استيقظ ليلةً، فصلى ثم قال: {من يوقظ صواحب الحجرات، يا رب كاسيةٍ في الدنيا عارية يوم القيامة} .
وكذلك {كان يوقظ عائشة إذا أراد أن يوتر عليه الصلاة والسلام} لكن في العشر الأواخر كان يوقظهم أكثر وأطول مما كان يوقظهم في بقية الشهور والليالي.
وقفة مع ليلة القدر
الوقفة الرابعة والعشرون: ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر!
ليلة مباركة
فهي الليلة المباركة المذكورة في كتاب الله عز وجل، يقول الله تبارك وتعالى: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الدخان:2 - 6] .
فسماها الله عز وجل الليلة المباركة: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان:3] وفيها أنزل القرآن، وقد صح هذا المعنى عن جماعة من السلف، منهم ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم من علماء السلف ومفسريهم، قالوا إن الليلة المباركة هي ليلة القدر.
(فيها يفرق كل أمر حكيم)
قال الله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4] أي أنه تقدر في ليلة القدر مقادير الخلائق على مدى العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والناجون والهالكون، والسعداء والأشقياء، والحاج والداج، والعزيز والذليل، ويكتب فيها الجدب والقحط وكل ما أراده الله تبارك وتعالى في تلك السنة، والظاهر -والله تبارك وتعالى أعلم- أنه ينقل ذلك في ليلة القدر من اللوح المحفوظ، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: [[إن الرجل يُرى يفرش الفرش ويزرع الزرع وإنه لفي الأموات] ] أي: أنه كتب في ليلة القدر من الأموات.
ففيها يفرق كل أمر حكيم، أي يكتب ويفصل، وقيل: إن المعنى أنه يبين في هذه الليلة للملائكة.
سميت بليلة القدر
وقال الله عز وجل عنها في السورة الخاصة بها: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:1 - 5] .
فسماها الله تبارك وتعالى ليلة القدر، وذلك لعظيم قدرها، وجلالة مكانتها عند الله عز وجل، وكثرة مغفرة الذنوب، وستر العيوب في هذه الليلة المباركة.
وقيل سميت ليلة القدر لأنه يقدر فيها وتكتب فيها المقادير.
وقال الخليل بن أحمد: إنما سميت ليلة القدر، لأن الأرض تضيق بكثرة الملائكة، من القدر وهو التضييق قال الله: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ} [الفجر:16] أي: ضيق.
وقال الله عز وجل تنويهًا بشأنها وعظمتها: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر:2] ثم أخبر عنها بأنها خير من ألف شهر، أي: ثلاثة وثمانين سنة {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:4 - 5] .
تحديد ليلة القدر
وفي ليلة القدر وقفات وعبر، منها: أنها ليلة المغفرة.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه} .
ويستحب تحريها في رمضان وفي العشر الأواخر منه خاصة، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {التمسوها في العشر الأواخر} متفق عليه.
وثبت هذا من حديث عبد الله بن عمر وأبي سعيد وبالذات في أوتار العشر الأواخر، وهي ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، كما ثبت في المتفق عليه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {التمسوها في العشر الأواخر في الوتر منها} .
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه -وهو في الصحيح أيضًا- قال: {في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى} فبين عليه الصلاة والسلام أنها أرجى ما تكون في الأوتار من العشر الأواخر.
وكذلك جاء في البخاري من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ليخبر أصحابه بليلة القدر فقال لهم: {إني خرجت لأخبركم ليلة القدر فتلاحا رجلان فأنسيتها} -أي: تخاصم رجلان، وهذا يدل على شؤم الخصومة في غير حق، خاصة الخصومة في الدين، وعظيم ضررها، وأنها السبب في غياب الحق وخفائه على الناس- فقال عليه الصلاة والسلام: وعسى أن يكون خيرًا، ثم أمر أن يلتمسوها في ليلة تسع وعشرين، وسبع وعشرين، وخمس وعشرين.