هذه ثلاثة أحاديث صحيحة، وهناك حديث رواه أحمد في مسنده، عن عبادة بن الصامت، وسنده صحيح إلا ما يخشى من انقطاعه، لكن يشهد له ما سبق، وهو حديث طويل وعجيب في ذكر بعض خصائص ليلة القدر. قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: {إنها ليلة صافية بلجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، وهي ليلة ساكنة صاحية، لا حر فيها ولا برد، ولا يحل لكوكب أن يرمى فيها، والشمس تطلع صبيحتها مستويةً لا شعاع لها مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ} لأن عادة الشيطان أن يخرج مع الشمس كما في الحديث الصحيح: {تطلع الشمس بين قرني الشيطان} .
أما في ليلة القدر فإنه لا يحل للشيطان أن يطلع مع الشمس، أو يجعل قرنيه باتجاه الشمس بحيث تطلع بين قرنيه، والحديث -كما ذكرت- لا بأس بإسناده في الشواهد؛ إلا أنه يخشى من انقطاعه، فإنه من رواية خالد بن معدان عن عبادة، ولم يثبت له منه سماع.
وذكر بعض أهل العلم علامات أخرى لا أصل لها وليست صحيحة، إنما أذكرها لبيان أنها لا تصح، كما ذكر الطبري عن قوم أنهم قالوا: من علامات ليلة القدر أن الأشجار تسقط حتى تصل إلى الأرض، ثم تعود إلى أوضاعها، وهذا لا يصح.
وكذلك ذكر بعضهم أن المياه المالحة تصبح حلوةً في ليلة القدر، وهذا أيضًا لا يصح.
وذكر بعضهم أن الكلاب لا تنبح فيها، وهذا لا يصح.
وذكر بعضهم أن الأنوار تكون في كل مكان حتى في الأماكن المظلمة، وهذا لا يصح.
وأن الناس يسمعون التسليم في كل مكان، وهذا لا يصح.
إلا أن يكون المقصود بذلك أنه لفئة خاصة ممن اختارهم الله تعالى وأكرمهم، فيرون الأنوار في كل مكان، ويسمعون تسليم الملائكة، فهذا لا يبعد أن يكون كرامةً لمن اختارهم الله تعالى واصطفاهم في هذه الليلة المباركة، التي هي خير من ألف شهر.
أما أن يكون هذا عامًا فهو باطل، وهو معارض لدلالة الحس المؤكدة الثابتة ومشاهدة العيان.
وينبغي أن يعلم أنه ليس من الضروري لمن أدرك ليلة القدر أن يعلم أنها ليلة القدر، بل قد يكون ممن لم يكن له منها إلا القيام والعبادة والخشوع والبكاء والدعاء، من هم أفضل عند الله تعالى وأعظم درجة ومنزلة ممن عرفوا تلك الليلة.
فالعبرة هي بالاستقامة ولزوم الجادة، والتعبد لله عز وجل والإخلاص، كما ذكره طائفة من أهل العلم.
ليلة القدر ليست خاصة بهذه الأمة
وفيما يتعلق بليلة القدر، فإنني أختم موضوعها ببيان أن هذه الليلة ليست خاصةً لهذه الأمة على الراجح، بل هي عامةً لهذه الأمة وللأمم السابقة، لما رواه النسائي عن أبي ذر أنه قال: {يا رسول الله! هل تكون ليلة القدر مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قال عليه الصلاة والسلام: كلا، بل هي باقية} وهذا أصح من الحديث الذي ذكرته في الجلسة الماضية عن مالك، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أري أعمار أمته فكأنه تقالها، فأعطي ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر.
وعلى فرض صحة حديث مالك، فهو قابل للتأويل، وحديث أبي ذر صريح في أن ليلة القدر تكون مع الأنبياء، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] في ليلة مباركة، الذي أنزل فيه القرآن، ومن المعلوم أن القرآن يوم أنزل أنزل بالنبوة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقبله لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - نبيًا حتى تكون ليلة القدر بالنسبة له.
وقفات مع العيد
الوقفة الخامسة والعشرون: مع العيد.
والعيد اسم لكل ما يعتاد، وهي شعارات موجودة عند كل الأمم، فكل أمة على الأرض من الأمم الكتابية، كاليهود والنصارى، أو غيرها، من الأمم الوثنية لها أعياد؛ وذلك لأن العيد يعود إلى فطرة وطبيعة وجبلة ركبت الغرائز والفطر، عليها من أن الناس يحبون أشياءً يتذكرون فيها بعض ما مضى.
ولكن الأمم الكافرة أعيادهم ترتبط بأمور دنيوية، مثل قيام دولة، أو سقوط دولة، أو قيام حاكم أو سقوط حاكم أو زواجه أو تتويجه أو ما أشبه ذلك.
وقد يحتفلون بمناسبة أخرى كربيع أو غيره، ولليهود أعياد وللنصارى أعياد، كما هو معروف، فعندهم عيد في يوم الخميس، يزعمون أنه أنزلت فيه المائدة على عيسى عليه الصلاة والسلام.
وكذلك النصارى لهم أعياد أخرى، مثل عيد ميلاد عيسى عليه الصلاة والسلام، ومثل عيد رأس السنة الذي يسمونه الآن بعيد الكريسمس، ومثل عيد الشكر أو عيد العطاء، ويحتفلون به الآن في جميع البلاد الغربية كأمريكا وبريطانيا، وغيرها من البلاد التي ورثت النصرانية وإن لم تكن نصرانية حقيقية.
وكذلك المجوس والفرس لهم أعياد، مثل عيد المهرجان، وعيد النيروز وغيرها.
والرافضة أيضًا لهم أعياد، كعيد الغدير الذي يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بايع فيه عليًا على الخلافة، وبايع فيه الأئمة الإثني عشر من بعده، ولهم فيه مصنفات، حتى إن هناك كتابًا اسمه يوم الغدير يبلغ عشرات المجلدات.