ولذلك تجد العبد -مثلًا- في صلاته أحيانًا يقف، وأحيانًا يركع، وأحيانًا يسجد، وأحيانًا يقعد، لأن هذا هو الأمر الذي أراده الله، وهذا هو التعليل.
وفي الإحرام مثلًا حين يحرم الإنسان ليس منهيًا عن الأكل ولا عن الشرب، ولكنه منهيٌ عن الجماع ودواعيه، ومنهيٌ عن تغطية الرأس، وعن الطيب وعن تقليم الأظافر، وعن قص الشعر، وعن جميع ألوان الترفه، فيمتنع عن جميع هذه الأشياء ما دام محرمًا؛ لأن الله تعالى هكذا أراد منا إرادة شرعية، لكن له أن يأكل، ولو امتنع المحرم عن الأكل والشرب لأنه محرم لكان مبتدعًا في ذلك.
فإذا انتهى إحرامه يقال له: مطلوبٌ منك الآن -وجوبًا- أن تحلق أو تقصر رأسك، ومطلوبٌ منك أن تقلم أظفارك، وأن تتزين وتتطيب وتغتسل قال الله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29] .
فهذه تربيةً على العبودية الحقيقية لله جل وعلا، يأمرك بالشيء فتمتثل ويأمرك بنقيضه فتمتثل أيضًا، وليس من الضروري أن ندرك علة أو حكمةً لهذا الأمر أو لذاك النهي، فالعلة والحكمة تتلخص في أن الله تعالى أمر فأطعنا وامتثلنا، ونهى فانتهينا وامتثلنا، وهذا هو معنى العبودية الحقيقية.
تربية المجتمع
المعنى الرابع من معاني الصيام: تربية المجتمع.
ربما يكون الكثير منا -بل لعل الجميع- صام يومًا من الأيام نفلًا، إما أيام البيض أو يوم عاشوراء أو يوم عرفة، أو ما أشبه ذلك.
فما هي المقارنة بين صوم النفل وصوم الفرض؟
صوم النفل يتعب فيه الإنسان بعض الشيء ويجد شيئًا من المشقة، أما صوم الفرض فإن الإنسان يقول فيه: سبحان الله! كيف يسر الله تبارك وتعالى لنا الصوم، والله ما كأننا صائمين. هكذا لسان الجميع، ما هو السبب؟
لا شك أن الله تعالى يعين العبد في فرض الصيام ونفله، وإن كانت الإعانة في الفرض أكثر، لكن الإعانة موجودة في الجميع، وإنما من أهم الأسباب -في نظري-: أن الله تعالى جعل صوم رمضان فرضًا على الجميع، ولذلك كلما تلفت الإنسان وجد أن المجتمع صائم، فأنت تخرج للسوق فتجد الناس صائمين، وتذهب لسوق الخضار فتجد الناس صائمين، وتدخل البيت فتجد أهل البيت صائمين، وتذهب إلى المدرسة فتجد زملاءك صائمين، وتذهب للعمل فتجدهم صائمين، فالكل صائم.
ولذلك يحس الإنسان بأن الأمر الذي يفعله هو أمر يفعله الجميع، وهذا لا شك مما يجعل الموضوع غير ثقيل على النفس، ولهذا فالإخوة الذين يصومون في مجتمعاتٍ مفطرة، كما يقع لبعض الذين يعيشون في بلاد الغرب، إما لمرض -عافانا الله وإياكم- أو لحاجة أو لضرورة، فإنهم يجدون مشقة عظيمة في صيام رمضان؛ لأن الناس مفطرون هناك، فهو يجد الناس يأكلون في كل مكان، ولا يراعى أن يكون صائمًا، فهو مطالب بأن يعمل كما يعمل غيره، ويخرج كما يخرج غيره، ويدخل كما يدخل غيره، من غير مراعاة لكونه صائمًا، فيجد في ذلك مشقةً عظيمة، كما حدثنا الإخوة الذين عاشوا هناك في شهر الصيام، لكن في المجتمعات المسلمة الصائمة لا يجد الإنسان هذه المشقة، وفي هذا تربيةٌ للمجتمع.
ولذلك رأينا -أيها الإخوة- بأعيننا أن الإنسان حين يذهب في شهر الصيام حتى للمجتمعات المنهمكة في الفساد، ولكن عليها آثار الإسلام وفيها بقايا الإسلام؛ يجد دخول الشهر الكريم مميز تمامًا، فإذا دخل الشهر وجدت آثار رمضان ظاهرة على الجميع، حتى الفساق يظهر عليهم آثار الشهر الكريم، ففي ذلك تربية للمجتمع.
ولهذا تلاحظون دائمًا أن الإسلام يُعنى عنايةً كبيرةً بإصلاح المجتمعات من الفساد -مثلًا- كحادثة فردية، فإن هذه الأخطاء الفردية واقعة في كل مجتمع لا بد منها، حتى المجتمع النبوي مجتمع الصحابة، وقع فيه حالات من الانحراف، وجد إنسان زنا وآخر سرق وثالث شرب الخمر مثلًا، لكن المشكلة حين تتحول هذه المنكرات إلى منكرات معلنة موجودة على الملأ، فتتلوث البيئة العامة، ويصبح الإنسان الذي يريد الخير قد لا يهتدي لأن المجتمع يضغط عليه، ولهذا -أيضًا- تلاحظون أن أعداء الإسلام حريصون على إفساد المجتمع وتلويث البيئة.
ولعلكم سمعتم -مثلًا- بما يسمى بالبث المباشر، وكثيرًا من تُحدِثَ عن هذا الموضوع، وهو محاولة الدول الغربية أن ترسل بثًا تلفزيونيًا إلى البلاد الإسلامية يكون مثل قنوات الراديو -تقريبًا- بحيث يكون من الممكن في التلفاز أن يشاهد الإنسان أي محطة، وهذا ليس -كما يتصور البعض- أنه أمر قاب قوسين أو أدنى، لا شك أنه أمر فيه صعوبة وأمامه عقبات، لكنه أمر متوقع، فهم حين يفعلون ذلك وغيره كثير، يحاولون أن يلوثوا البيئة العامة حتى تفسد وتنحرف؛ بحيث أن الذي يريد الصلاح لا يصلح لأن المجتمع يعارضه، فهو إن صلح يصبح ضد التيار كما يقال.