الصفحة 5 من 115

وهذا من أعظم مقاصد الصيام، أن الله عز وجل يربي المجتمع الإسلامي بالصيام، بحيث يتحول إلى مجتمعٍ صائم، ولذلك تجد الصغار عندنا يصومون، وتجد الفساق يستترون، وتجد الكفار لا يستطيعون أن يعلنوا الأكل والشرب في الأسواق وعلى الملأ، لأن المجتمع يفرض عليهم هذا الأمر.

فضائل الصيام

الوقفة الرابعة: فضائل الصيام.

الصوم جنةٌ من النار

أولًا: الصيام جنةٌ من النار.

كما جاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح، عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {الصوم جنة يستجن بها العبد من النار} وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا} .

إذًا: فالصوم جنة ووقاية من النار، وكلما صام العبد بعد عن النار، فإذا كان من صام يومًا أبعد سبعين خريفًا -أي سبعين عامًا- فما بالك بمن يصوم شهرًا، وما بالك بمن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وما بالك بمن يصوم أكثر من ذلك! لا شك أنه أبعد ما يكون عن النار.

الصوم جنةٌ عن الشهوات

ثانيًا: الصوم جنة عن الشهوات.

ولذلك جاء في الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء} فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الشباب بالزواج، وإذا لم يستطيعوا أرشدهم إلى الصيام، وبين عليه الصلاة والسلام أن الصوم وجاء يمنع الشهوة أن تتحرك وتبلغ مبلغها في الإنسان.

فإلى الشباب الذين يشتكون من الشهوات -وهم كثيرٌ خاصة في هذا العصر المليء بالمغريات، فالشاب -مثلًا- يشتكي أنه إن خرج إلى السوق وجد النساء المتبرجات، وإن دخل البقالة وجد المجلات التي فيها صور النساء الكاسيات العاريات، وإن ركب في السيارة سمع الغناء، وإن ركب الطائرة كذلك، وإن ذهب أو دخل أو خرج وجد الشهوة والفتنة تلاحقه في كل مكان، مع ما جبل عليه وركب من الشهوة الغريزية التي تتحرك في نفس كل إنسان، ومع ضعف الرادع والوازع عند الكثيرين- إلى هؤلاء الشباب نهدي هذه النصيحة النبوية: {ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء} وهذا طب نبوي للذين يشتكون من الشبق وشدة الشهوة، وقد جرب هذا الطب فوجد أنه علاج ناجع ودواءٌ نافع، وهو كافٍ عن غيره من العلاجات والأدوية المادية، إضافة إلى أدوية أخرى شرعية في هذا المجال.

الصوم سبيل إلى الجنة

الفضيلة الثالثة: إن الصوم سبيل إلى الجنة.

ولذلك روى النسائي بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه، أنه قال: {يا رسول الله دلني على عملٍ يقربني من الجنة ويباعدني من النار، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: عليك بالصوم فإنه لا مثل له} فبين أنه لا شيء يقرب العبد من الجنة ويباعده من النار مثل الصيام.

بل إن في الجنة بابًا خاصًا للصائمين، كما في الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {إن في الجنة بابًا يقال له الريان} ولاحظ اسم الباب، فإنه يتناسب مع صفة الصائم، فإن الصائم يصيبه العطش والجوع في سبيل الله؛ فجوزي بأن يدخل من باب الريان، والجزاء من جنس العمل: {إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد غيرهم} فهذا جزاء الصائمين.

الصوم شافع مشفع

الفضيلة الرابعة: أن الصوم شافع مشفع في الصائم.

ولذلك روى الإمام أحمد والحاكم بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {القرآن والصيام يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: يا رب منعته الطعام والشراب فشفعني فيه. ويقول القرآن: يا رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال عليه الصلاة والسلام: فيشفعان} .

فالأعمال التي يعملها العبد في هذه الدنيا لا مانع أن تكون يوم القيامة أشياءً حسية تشفع للعبد، وتتكلم وتوزن إلى غير ذلك مما ورد في النصوص الشرعية، وهاهنا أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصوم يكون ذاتًا يوم القيامة يتكلم ويقول: يا رب منعته الطعام والشراب والشهوة فشفعني فيه، فيشفع الصوم في صاحبه، سواء أكان صوم فرضٍ أم كان صوم نفل.

الصوم كفارةٌ للذنوب

ومن فضائله: أنه كفارةٌ للذنوب ومغفرة.

ولذلك قال الله عز وجل: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] فالصوم فيه حسنات كثيرة، والحسنات تذهب السيئات، فكل عمل صالح فهو سببٌ في مغفرة الذنوب وستر العيوب وتجاوز الله تبارك وتعالى عن العبد، ولكن ورد في الصوم خاصةً أحاديث كثيرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت