الصفحة 6 من 115

منها: حديث حذيفة المتفق عليه، بل رواه الستة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة} أي: أن ما يحدث منك من أخطاء، سواء أكانت كلمة نابية، أم اعتداءً أم إيذاءً لأهلك أم خطأ عليهم، أم في مالك، أم في جيرانك، أو ما أشبه ذلك من الصغائر، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة.

وفي الحديث المتفق عليه -أيضًا- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه} أي: إيمانًا بالله عز وجل، واحتسابًا لأجر الصوم، ومعرفة بما أعد الله تبارك وتعالى للصائمين، فهو يصوم ويتوقع الأجر الذي سيعطاه على هذا الصيام، غفر له ما تقدم من ذنبه.

وفي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أيضًا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر} .

فالصوم مكفر لما قبله بشرط اجتناب الكبائر، فإن جمهور علماء أهل السنة وجمهور علماء السلف على أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة؛ وإنما الصوم والصلاة وغيرها تكفر صغائر الذنوب، ولذلك قال الله عز وجل {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء:31] .

الصوم سبب للسعادة في الدارين

ومن فضائل الصوم: أنه سبب للسعادة في الدارين.

ولذلك جاء في الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره وفرحةٌ عند لقاء ربه} أما فرحة الصائم عند فطره فهي فرحةٌ دنيوية وفرحةٌ عاجلة، وهي سعادة لأن السعادة في الحقيقة هي فرح القلب، فالذين يبحثون عن السعادة لا يجدونها إلا في طاعة الله تعالى وتقواه، وهذا نموذج للسعادة.

فالذي يفطر يفرح عند فطره، وفرحه يكون من وجهين:

الأول: فرحه بأن الله تعالى أباح له الأكل والشرب، والنفس مجبولة على حب الأكل والشرب، ولذلك تعبدنا الله تبارك وتعالى بتركهما، كما يترك الإنسان الجماع، مع أنه يرغبه وقد ركب في طبعه وجبلته، فيتركه طاعة لله تعالى، فإذا أذن له في ذلك فرح بأنه سوف يأكل ويشرب.

والأمر الآخر الذي يفرح به، وهذا فرح أعلى وأسمى من الفرح الأول: أنه يفرح لأن الله تعالى وفقه لإتمام صيام ذلك اليوم، فيفرح بإكمال هذه العبادة وإتمامها على الوجه المطلوب، فهو فرح من الوجهين.

خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك

ومن فضائل الصوم: أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك.

وخلوف فم الصائم هي الرائحة التي تخرج من الفم، وهي في الواقع من المعدة، لكن تخرج عن طريق الفم في آخر النهار، بسبب خلو المعدة من الطعام، وهي رائحة مكروهة للخلق؛ لكنها محبوبةٌ للخالق، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه: {ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك} وفي صحيح مسلم: {أطيب عند الله تعالى يوم القيامة من ريح المسك} وفي هذا دليل على أنه لا بأس أن يتسوك الإنسان بعد الزوال.

وهذا هو الرأي الراجح والصحيح في المسألة؛ بل يستحب للإنسان أن يستاك بعد الزوال ولو كان صائمًا، فيستاك عند الصلاة وعند الوضوء، ويستاك عند دخول المنزل، وعند الاستيقاظ من النوم .. إلى غير ذلك من المواضع التي يستحب فيها السواك، لأن الخلوف هذا -أولًا- ليس من الفم وإنما هو من المعدة، وثانيًا: أنه أطيب عند الله تعالى يوم القيامة من ريح المسك.

وقد ورد في أثر إسرائيلي: إن الله عز وجل لما أمر موسى أن يأتي إليه، أمره أن يصوم ثلاثين يومًا فصام ثلاثين يومًا، فلما انتهى منها وجد رائحة الخلوف في فمه فكأنه أفطر أو استاك، فأمره الله عز وجل أن يصوم عشرة أيام بعدها، وقال له: يا موسى، أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك. فأتمها الله تعالى عشرة أيام، فتم ميقات ربه أربعين ليلة.

المهم أن من فضائل الصوم: أن خلوف فم الصائم -وهو أمر مكروه للخلق- أطيب عند الله تبارك وتعالى من ريح المسك، وهكذا جاء في الحديث عن دم الشهيد - مع أن الدم بحد ذاته أمر مستقبح مستقذر، بل هو نجس عند أكثر الفقهاء، لكن قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: {إن الشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يدمي، اللون لون الدم والريح ريح المسك} .

ولذلك فإن بكاء المذنبين بين يدي الله عز وجل، هو من أعظم السرور لهم والقربى إلى الله عز وجل، وربما يكون-أحيانًا- خيرًا من كثير من العبادات والطاعات التي يدل بها العبد ويستعظمها، ويعتبر أنه فعل من جرائها شيئًا عظيمًا، بخلاف المنكسرين الباكين بين يدي ربهم، فإن قلوبهم منكسرة، ولذلك ورد في أثرٍ -وإن كان ليس بالقوي- أن الله عز وجل قال لبعض رسله وأنبيائه حين قالوا: أين تكون يارب؟

قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت