الصفحة 45 من 115

ومما ينبغي أن يعلم أيضا أن المرأة إذا تناولت مانعًا ثم توقف عنها الدم؛ فإنها تصوم حينئذٍ، وصومها صحيح، وليس عليها صيام ذلك اليوم أو تلك الأيام فيما بعد، فإذا صح صومها في ذلك اليوم، ولم يأتها دم منذ طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فمن الذي يقول أن عليها أن تقضي ذلك اليوم بعد رمضان؟ هذا لا يصح أبدًا، بل هو صوم صحيح كاملة شروطه، فلا حاجة لقضائه، ولا يشرع؛ بل لا يجوز قضاؤه، وإنما إن أحبت أن تتنفل بما شاءت فلها ذلك، أما ذلك اليوم، فصيامه صحيح، ولا قضاء عليها.

العاجز عن الصيام

ومن هذه المسائل أيضًا مسألة من عجز عن الصيام، لمرض لا يرجى برؤه أو لكبرٍ في سنه وهرم وشيخوخة، فإن مثل هذا الإنسان إن عجز عن الصيام أو وجد في ذلك مشقة شديدة فعليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ كما قال الله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] .

وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنه أن هذه الآية في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وما في معناهما، فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا، وهذا الإطعام يستوي فيه أن يطعم كل يوم بيومه، أو أن يؤخر ذلك إلى ما بعد نهاية شهر رمضان، فإن ذلك سيان، وسواء أأطعمهم طعامًا مطبوخًا جاهزًا أم أطعمهم غير ذلك، فلا بأس بهذا، وينبغي أن يراعى ما يكون أحب للفقراء وأدعى إلى قضاء حوائجهم.

أما بقية هذه المسائل المتعلقة بالأخطاء المشهورة فمنها:-

تبييت نية الصيام من الليل

أولًا: أن بعض الناس يسمعون أنه لا بد من تبييت النية من الليل لصيام الفرض، وهذا صحيح؛ فإن صيام الفريضة كصوم رمضان والنذر والكفارة لا بد فيها من تبييت النية، أي: لا بد أن ينوي الإنسان من الليل أنه سوف يصوم غدًا، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عُمَر المتفق عليه: {إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى} والحديث الآخر في السنن وهو صحيح: {لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل} لكن بعضهم يعتقد أن تبييت النية لا بد فيه أن يستيقظ قبل الفجر، فلو أن أحدهم نام في الساعة الثانية عشرة ليلًا أو في الواحدة ليلًا، ثم لم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر، ظن أنه لا يجزئه صيام ذلك اليوم، يقول: لأنني لم أبيت الصيام من الليل، وينسى هؤلاء أو يجهلون أن الليل يدخل بغروب الشمس، ثم إن بعض هؤلاء يجهلون أيضًا معنى تبييت النية، ويبالغون في ذلك ويدخل عليهم الوسواس, والصواب أن المسلم الذي جرت عادته بصيام رمضان فهو لم يفطر منه شيئًا قط، يكفيه أن يخطر الصوم على باله، فإن هذا يصير ناويًا للصيام مستحضرًا له، فهو ما نوى الفطر وقطع الصوم، وإنما نوى أن يصوم لله تعالى منذ دخول الشهر، وهذه نيته، أما المبالغة في ذلك والإسراف والوسوسة، فإنها من كيد الشيطان الذي ينبغي للإنسان أن يسعى في دفعه ما استطاع.

السواك في رمضان

ثانيًا: أن كثيرًا من الناس يتجنبون السواك في نهار رمضان كله، وهذا خطأ؛ لأنه لا تعارض بين السواك والصيام، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول كما في الصحيحين: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كل صلاة} والحديث الآخر: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كل وضوءٍ} إذًا فالصواب أنه يشرع للصائم أن يستاك كما يشرع لغيره، أما في صلاة الفجر وفي صلاة الضحى، وما أشبهها فهو مشروع عند سائر أهل العلم، وكذلك الوضوء في أول النهار، وما أشبه ذلك مما يقع قبل الزوال، أما ما يقع بعد الزوال، فقد ذهب بعض أهل العلم أنه لا يشرع، لحديث علي رضي الله عنه: [[إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي] ] يعني استاكوا في أول النهار ولا تستاكوا في آخره، لكن هذا الحديث -حديث علي رضي الله عنه- ضعيف جدًا، فقد رواه البيهقي والدارقطني وغيرهما، وسنده في غاية الضعف، فلا يحتج به، وقد عارضه حديث آخر وهو إن كان ضعيفًا أيضًا، إلا أنه خير من حديث علي رضي الله عنه وهو: {رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصي يستاك وهو صائم} ويغني عن هذين الحديثين قوله - صلى الله عليه وسلم: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة} أو {عند كل وضوء} فيدخل في ذلك الصلاة والوضوء للصائم وغير الصائم، قبل الزوال وبعد الزوال، فيدخل في هذا الحديث السواك لصلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، والوضوء لهذه الصلوات كلها.

مواضع السواك

وكذلك يستحب للإنسان أن يستاك في مواضع أخرى، فإن المواضع التي يشرع للصائم وللإنسان أن يستاك فيها ستة مواضع:-

الموضع الأول: عند الصلاة لقوله - صلى الله عليه وسلم: {عند كل صلاة} .

الموضع الثاني: عند الوضوء لقوله عليه الصلاة والسلام: {عند كل وضوء} .

الموضع الثالث: عند قراءة القرآن، وقد جاء في هذا أحاديث عن علي وغيره رضي الله عنه: {إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك} وهذه الأحاديث لا يخلو شيء منها من مقال، ففيها ضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت