الصفحة 46 من 115

الموضع الرابع: عند دخول المنزل، لما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: [[أنها سئلت بأي شيء يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك] ].

الموضع الخامس: عند تغير رائحة الفم، لقوله - صلى الله عليه وسلم - كما في سنن النسائي وغيره بسند صحيح: [[السواك مطهرة للفم مرضاة للرب] ] ففي قوله مطهرة للفم دليل على أن السواك يشرع لتطهير الفم وتنظيفه.

الموضع السادس: هو عند الاستيقاظ من النوم، لحديث حذيفة المتفق عليه {أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استيقظ من النوم يشوص فاه بالسواك} إذن ينبغي للإنسان أن يستاك في هذه المواضع الستة سواء أكان صائما أم كان غير صائم. أما ما يظنه بعضهم من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: {لخلوف فم الصائم أطيب عند الله -تعالى- من ريح المسك} وأنه يعارض ذلك أن يستاك الإنسان، فهذا ليس بجيد:

أولًا: لأن الخلوف هو من المعدة، وهو رائحة تنبعث من المعدة بسبب خلوها من الطعام؛ وليس من الفم، إذا فالسواك لا يزيل الخلوف ولا مدخل له فيه.

ثانيًا: أن كثيرًا من العلماء قالوا: إن هذه الرائحة هي عند الله تعالى، {لخلوف فم الصائم عند الله تعالى} بل جاء في بعض الأحاديث {يوم القيامة} .

إذًا لا تعلق لذلك بأمور الحياة الدنيا، والسواك لا يضر ذلك؛ بل هو يزيد رائحة الفم عند الله تعالى طيبًا إلى طيب، فإن السواك أيضا هو مما يرضي الله عز وجل، وهو مما أمر الله -تعالى- به على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.

بقاء أثر السواك في الفم

وأما إذا بقى في فم الإنسان شيء من أثر السواك فعليه حينئذٍ أن يزيله، دون أن يفضي به ذلك إلى وسوسة، فإن كثيرًا من الناس يشقون على أنفسهم، ويبالغون، ويشددون، فيشدد الله تعالى عليهم، وربما يبتلون بألوانٍِ من البلايا والمصاعب؛ بسبب مبالغتهم في ذلك، فيبالغ الواحد منهم -مثلًا- في إخراج بقايا السواك من فمه، أو يبالغ في إخراج بقايا الطعام من بعد السحور من فمه، أو يبالغ في إخراج حتى الريق من فمه، فإذا تعقد ريقه حاول إخراجه، وشق على نفسه، وبعضهم يجد مشقة عظيمة في المضمضة والاستنشاق، وكل ذلك من الآصار والأغلال التي وضعها الله تعالى عن هذه الأمة، قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] .

فكل الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة قد وضعها الله عن هذه الأمة، فينبغي علينا -عباد الله- أن نيسر على أنفسنا وغيرنا في هذه الأمور.

خروج الدم من الصائم

ثالثًا: أن بعض الناس يظنون أن خروج الدم من الجرح ولو كان دمًا يسيرًا يفسد الصيام؛ بل بعضهم يظن أنه إذا جرح -حتى ولو لم يخرج الدم ولم يتجاوز موضع الجرح- يظنون أن ذلك يفسد الصيام، وهذا أيضًا غير صحيح، ولا دليل على ذلك، ولعل بعض الناس فهموا ذلك من مسألة الحجامة، وقاسوه عليها، والأمر مختلف؛ فإن هذا الجرح الذي أصاب الإنسان هو عن غير تعمد؛ بل قد يكون الجرح وقع عليه من غير قصد، فلا يؤثر؛ لهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بالقيء: {من استقاء عامدًا فَلْيَقضِ، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه} والحديث رواه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح، كما قال ابن تيمية رحمه الله، وغيره من أهل العلم، فإذا تعمد الإنسان القيء بيده، بأصبعه، أو بشم شيء، تعمد ذلك من أجل أن يقيء، فهذا عليه القضاء، أما من ذرعه القيء وأصابه من غير قصد، سواء أكانت امرأة حاملًا أم كان رجلًا أم غير ذلك، أو شم روائح من غير قصد، فحصل منه القيء، فهذا عليه أن يخرج ما في فمه، وصومه صحيح، وهكذا الحال بالنسبة للدم، فحتى على القول بأن الحجامة وهي: إخراج الدم عن طريق المحجام أنها تفطر الصائم، فإن الجرح الذي يصيب الإنسان من غير قصد، ويكون الدم فيه يسيرًا، وربما لا يتجاوز موضع الجرح، فإن ذلك لا يفطر الصائم.

الحجامة

أما بالنسبة للحجامة؛ فقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الحجامة تفطر الصائم، ونقل هذا عن جماعة من الصحابة، وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنه وغيره، وقال به الإمام أحمد -رحمه الله- وجماعة من الأئمة والسلف، ومن أقوى أدلتهم قوله صلى الله عليه وسلم: {أفطر الحاجم والمحجوم} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت