أولادنا
في رمضان
تأليف
فضيلة الشيخ
سلمان بن فهد العودة
المشرف العام على موقع الإسلام اليوم
من نعم الله عز وجل الكثيرة على الإنسان نعمة الذرية والولد؛ التي يحرم منها كثير من الناس، وقد يكون الولد صالحًا أو فاسدًا فيكون سببًا لسعادة أبويه أو شقائهما في الدنيا، وقد جعل الله في قلوب الوالدين رحمة لأولادهم، ولكن هذه الرحمة يجب أن تتوجه لتربيتهم التربية الحسنة، وجعلهم أولادًا صالحين بدلًا من أن تتوجه لتوفير ملذات الدنيا لهم وترك الحبل على الغارب كما في مظاهر كثيرة مشاهدة في المجتمع.
نعمة الولد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا .. أما بعد:
في هذه الليلة، ليلة السبت، السابع من شهر رمضان لعام 1411هـ، نقف وقفة عنوانها: (أولادنا في رمضان) .
أيها الأحبة: يقول الله عز وجل: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:2 - 6] .
وكانت أعظم بشارة أن يقول الله عز وجل: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [مريم:7] .
فإن من نعمة الله تعالى على العبد أن يوفقه ويرزقه الذرية، وكم من إنسانٍ حرم من هذه النعمة، فكلما رأى صبيًا صغيرًا، تقطع قلبه حسرات، يتمنى ضحكةً أو صرخة أو قبلةً من طفله الصغير، لكن أراد الله تعالى بحكمته وعلمه ألا يكون ذلك، فنعمة الأولاد هي من أَجَلَّ النعم، التي لا يعلمها إلا من جرب مرارة فقدها وحزن عدمها، فلذلك امتن الله تبارك وتعالى على رسله بأن جعل لهم أزواجًا وذرية، كما قال الله تعالى في محكم كتابه: وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد:38] .
الولد الصالح
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له} فالولد الصالح هو خيرُ تراثٍ وخير ميراثٍ يخلفه الأب من بعد وفاته، يبقى ذكرى حسنة لأبيه، ودعاءً صالحًا، وخيرًا دارًّا على والده حتى وهو في قبره، فإن آباء الأولاد الصالحين، هم أهل الخيرات التي لا تنقطع وإن كانوا موسدين، صرعى في قبورهم، إلا أن الله تعالى يدر عليهم الرزق في الدار الآخرة ببركة أولادهم الصالحين، يدعون لهم، ويتصدقون عنهم، ويذكرونهم بالذكر الحسن، ويعملون لهم ما استطاعوا أن يعملوه.
الولد الفاسد
الولد الفاسد، فإنه بوارٌ على والده، وشقاءٌ عليه، وشنارٌ في الدنيا والآخرة، ولهذا قال الله عز وجل: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف:17 - 18] .
ففساد الولد شقاءٌ على والديه الصالحين في الدنيا والآخرة، ولهذا قال الله عز وجل في سورة الكهف، قال: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:81] .
إذًا الولد نعمة، لكن إن كان الولد صالحًا فهي نعمةٌ عظيمة وخيرٌ جسيم، أما إن فسد الولد وضل وانحرف، ففقده خيرٌ من وجوده، وموته خيرٌ من حياته، وهو في بطن الأرض خيرٌ له أن يكون فوق ظهرها، ولهذا قال: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:81] وسخر وقَيَّضَ الله تعالى الخضرَ العبد الصالحَ فقتله، وجد غلامًا فقتله، فقال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف:74] فقال: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف:80] .