الصفحة 55 من 115

إذًا موته خيرٌ من بقائه لوالديه في دينهما ودنياهما، فأما في دينهما: فقد يفتتنان به، وقد يقصران في طاعة الله بسببه، وقد يرتكبان المعصية من أجله وأما في دنياهما: فإن الولد الفاسد شقاءٌ على والده، ذلٌ بالنهار، وسهرٌ في الليل، وضيقٌ في الرزق، وضيقٌ في الصدر، وتعاسة لا يعلمها إلا الله، فالولد نعمة، لكنه نعمةٌ إن كان ولدًا صالحًا، أما إن كان فاسدًا شقيًا، فهو وبالٌ ودمارٌ وبوارٌ على والديه في الدنيا وفي دار القرار.

صلاح الوالد نعمة للولد

صلاح الولد نعمة، كما أن صلاح الوالد -أيضًا- نعمة للولد، فإن من رحمة الله تعالى بالولد أن يوفقه أن ينشأ في بيئةٍ صالحة، وتحت رعاية أبوين صالحين، ولهذا قال الله عز وجل -أيضًا- في سورة الكهف: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82] .

فرحم الله تعالى هذين الغلامين اليتيمين ببركة صلاح أبيهما! وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82] .

فصلاح الآباء رحمةٌ بالأولاد، وصلاح الأولاد رحمةٌ بالآباء، فكم هي نعمة عظيمة أن يوفق الله تعالى الشاب إلى بيتٍ صالح، وإلى أبٍ مهتدٍ مستقيم، يعينه على الخير ويأمره به، وينهاه عن الشر ويحذره منه ويمنعه عنه، وكم هو شقاءٌ للولد أن يكون في بيئةٍ فاسدة، إذا رأت منه صلاحًا، أو ترددًا على المسجد، أو اقتناءً للكتب المفيدة، أو سماعًا للأشرطة النافعة، أو صحبة الأخيار الطيبين؛ منعوه من ذلك وحذروه، وقالوا له: نخشى عليك كذا وكذا، وبدءوا يوسوسون له كما يوسوس الشيطان الرجيم .. !

رحمة الوالد بولده

أيها الأحبة: لقد غرس الله تعالى في قلوب الآباء الرحمة بالأبناء، حتى إن الولد ريحانة لأبيه، وقد جاء في الحديث {أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان يومًا يوم من الأيام يخطب على المنبر، فجاء الحسن والحسين يمشيان ويعثران، فنزل -بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - وحملهما على كتفيه، وقال: والله إنكم لتبخلون وتجبنون، وإنكم لمن ريحانة الله} والحديث رواه أحمد وغيره، وفي سنده مقال.

ولما جاء - صلى الله عليه وسلم - إلى ولده إبراهيم، حمله وشمه وقبَّله -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم- ولما رآه يجود بنفسه بكى، ودمعت عيناه، وقال: {هذه رحمة وضعها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء} .

مات لابن الرومي ولد، كان اسمه محمدًا، فرثاه بقصيدةٍ من عيون الشعر، لا زال التاريخ يرددها، يقول مخاطبًا عينيه:

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي ... فجودا فقد أودى نظيركما عندي

محمدٌ! ما شيء تُوُهِّم سلوه ... لقلبي ... إلا زاد قلبي من الوجدِ

أرى أخويك الباقيين كليهما ... يكونان للأحزان أورى من الزندِ

وأولادنا مثل الجوارح أيها فقد ... ناه كان الفاجع البين الفقدِ

لكلٍ مكانٌ لا يسد اختلاله ... مكان أخيه من صبور ولا جلد

يقول: الأولاد ولو كانوا مائة مثل الجوارح، لا تغني اليد عن الأخرى، اليمنى عن اليسرى، ولا يدٌ عن رجل، ولا رجل عن يد، ولا عينٌ عن أذن، لا يغني سمعٌ عن بصر، ولا بصر عن سمع، فالجوارح لا يغني بعضها عن بعض، وكذلك الأولاد، مهما كثروا، لكل واحد منهم مكانٌ في القلب، لا يسد فقده مكان أخيه.

وآخر جلس في بيته وقد ضاقت عليه أبواب الرزق وحجبت دونه، فكان يتمنى أن يذهب في أرض الله الواسعة، ويكتسب من الرزق ما يكتسبُ غيره، ولكن يمنعه من ذلك أولاده الصغار من بنين وبنات، الذين يحدب عليهم ويحن إليهم، فلا يستطيع فراقهم، فيقول:

وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرضِ

لو هَبَّتِ الريح على بعضهم ... لامتنعت عيني عن الغمضِ

لولا بنياتٌ كزغب القطا ... ردَّدن من بعضٍ إلى بعضِ

لكان لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرض ذات الطول والعرضِ

فالأولاد نعمةٌ وأية نعمة، ومن رزق نعمة أن يشم أولاده الصغار ويضمهم، ويضعهم في حجره ويحن عليهم، ويضاحكهم ويلاعبهم؛ فإنه يجد في هذه الدنيا نعمةً تمهد لنعمة الدار الآخرة التي وعد الله تعالى بها المؤمنين، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] .

فإذا كان الأب في منزلة في الجنة، وولده دونه، فإن الله تعالى بسابغ كرمه وجوده يلحق الأبناء بالآباء تكريمًا للآباء وتتميمًا لنعيمهم وسرورهم: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] .

ضرورة عناية الآباء بتربية أبنائهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت