الصفحة 63 من 115

جلسة رمضانية

في البدائع

تأليف

فضيلة الشيخ

سلمان بن فهد العودة

المشرف العام على موقع الإسلام اليوم

عن رمضان والفوائد التربوية العظيمة التي يريدها الله تعالى من هذه الشعيرة، تحدث الشيخ في هذا الموضوع؛ مبينًا سرعة مرور الأيام وتقلبها ذاكرًا بعض الواجبات المتحتم القيام بها في هذا الشهر، والأمور التي يقصر فيها كثير من الناس في شئونهم الشخصية والعائلية والتعبدية والاجتماعية في هذا الشهر المبارك.

سرعة مرور الأيام والليالي

نحمد الله تعالى حمدًا كثيرا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ويرضى، فهو مستحق الحمد وأهله، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3] .

أحبتي الكرام .. ربما لا يسمح وقت هذا الشهر الكريم بمزيدٍ من العناية بمثل هذه المجالس، ولكن حسبكم وأنتم تعكفون في مثل هذا المكان الطيب أن تسمعوا اسم الله جل جلاله، فتذكروه وتوقروه وتحمدوه وتكبروه، أو تسمعوا اسم نبيه محمد، فتصلوا وتسلموا عليه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، فيكتب لكم بذلك أجر، ويرفع لكم به قدر، ويحط عنكم به وزر .. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الأبرار الأخيار الأطهار ..

أيها الأحبة: هذه جلسة رمضانية في هذه الليلة، ليلة الثالث من رمضان -ليلة الجمعة- في هذا المسجد في البدائع، وهذه الجلسة الرمضانية -أيها الأحبة- سوف أتحدث فيها على عجل وإيجاز مراعاة لظروفكم وأوقاتكم عن عدد من الدروس التي لا بد أن يخرج بها المسلم في رمضان، ثم أدع الفرصة إذا كان ثمة أسئلة يرى عرضها وطرحها للإجابة عليها.

فأول ما يقف عنده الإنسان وهو يتسامع بخير شهر رمضان هو أن يتعجب من سرعة مرور الأيام والليالي وكرورها، فما أن يودع الإنسان شهرًا حتى يستقبل آخر، ويطوي من ذلك أيامًا ثم أسابيع ثم شهورًا، وإذا بالعام الثاني يأتي وكأنه لمحة بصر أو خطفة برق! فسبحان من يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين .. !

البرد يسلمك إلى حر، والحر يسلمك إلى برد، والعمل يسلمك إلى إجازة، والإجازة تسلمك إلى عمل، والشهر يسلمك إلى آخر، وهكذا أيام وليالٍ تمر وتكر، وإنما هي مراحل ينتقل الإنسان عبرها إلى قبره ومستقره إلى أن يأذن الله تعالى ببعث الناس من قبورهم: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] .

حب الحياة يورد الموارد المهلكة

أيها الأحبة: لو تأملنا لوجدنا أن حب الحياة أورد كثيرين الموارد المهلكة، فكم من إنسان تلجلجت كلمة الخير في فمه واحتجبت وتوقفت! بل ونطق وجهر بالباطل الذي يعلم هو في قرارة نفسه أنه باطل لا يرضي الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه سيسخط عليه أيضًا عباد الله الصالحين، ولكنه نطق وربما جهر به، لا لشيء إلا تشبثًا بهذه الحياة وحبًا لها.

وكم من إنسان فر من المعركة خوفًا من الموت، فقد تكون هذه المعركة معركة السلاح التي تتلاقى فيها السيوف ولها بريقٌ ولمعان، وتنزف فيها الدماء، وتتطاير فيها الرءوس، فربما فر منها وهو يرجو الحياة والبقاء، ويخاف أن يأتيه حتفه فيها، أو قد يكون فر من المعركة الكبرى: معركة الإسلام مع خصومه وأعدائه شحًا بالحياة وبخلًا بها.

وإنما شَحَّ وبَخل؛ لأنه لم يفقه معنى الحياة، ولم يفقه سر تغير الأيام والليالي وتبدلها وتحولها؛ وأن الإنسان كما لو كان في قطار يسير به سيرًا وعلى ظهر هذا القطار الإنسان الغافل، والإنسان اليقظ، والنائم، والصاحي، والعاقل والمجنون وغيرهم.

هوان الحياة الدنيا

ولو تأمل الإنسان وتبصر لوجد أن حقيقة هذه الدنيا أقل من أن يتعب الإنسان وراءها أو يضحي بشيءٍ في سبيلها، فقد كانت الحياة هينةً، لا أقول فقط عند الذين يؤمنون بالله تعالى والدار الآخرة، ويرجون ما عند الله، فهؤلاء -نعم- هانت عليهم الحياة، فبذلوا في سبيل الله تعالى الحياة رخيصة، وكان الواحد منهم يخوض المعركة وروحه على راحته، يلقي بها في مهاوي الموت ولا يبالي .. !

يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود

بل كانت الحياة رخيصة حتى عند الذين عقلوا أمورهم عقلًا صحيحًا، فقد كان كثير من العقلاء -حتى في جاهليتهم قبل الإسلام وحتى في هذا الزمان- لا يفهمون من معنى الحياة إلا معنى العزة والكرامة والقوة، فإذا آلت الحياة إلى معاني الذل والمهانة؛ كان الموت عندهم خيرًا منها، وكانوا يقولون: (موتٌ في عز خير من حياة في ذل) ويقول آخر:

الموت لا يكون إلا مَرَّةْ ... والموتُ خيرٌ من حياةٍ مُرَّة

مواقف الناس تجاه سرعة الأيام والليالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت