الصفحة 64 من 115

وأنت تجد كثيرًا من العوام والخواص إذا قيل: ما شاء الله! أُعلِنَ رمضان، قال: سبحان الله! ما أسرع الأيام والليالي! كأنه أمس! .. وهكذا في كل مناسبة يقولون هذا الكلام، لكن يظل هذا الكلام مجرد كلماتٍ تداعب شفاههم، ولا يتحول إلى عقيدة في قلوبهم، وإلى مُسيِّر لأعمالهم، وإلى ضابط وحاكم لتصرفاتهم؛ بحيث تجد الإنسان قد فقه معنى الحياة، فأصبحت الحياة عنده هي الجهاد في سبيل الله، وقليلٌ من الناس من يكونون كذلك.

قيمة الأعمار بما أنجز فيها من الأعمال

يا أخي الكريم:

كم من إنسان لو حسبت عمره بميزان الأيام والليالي والساعات لوجدته قصيرًا!

فلان عاش ثلاثين أو أربعين سنة، ولكنها مليئة بجلائل الأعمال، وبالبطولات والتضحيات، مليئة بالجهاد، وبالعلم، مليئة بالعمل، وبالدعوة؛ ولهذا كانت هذه السنوات كبيرة في ميزان الله تعالى، عظيمةً عند العقلاء! وربما ظل هذا الإنسان حيًا في ذاكرة التاريخ تتسامع به الأجيال، جيلًا بعد جيل، ورعيلًا بعد رعيل، مع أنه لم يعش من زمانه إلا سنين قصيرة.

وكم من إنسان قد يكون من المعمَّرين وبحسبك أن تقرأ كتاب"المعمرون والوصايا"لأبي حاتم السجستاني، فقد ذكر فيه أسماء المعمرين، ولو تصفحت هؤلاء المعمرين لم تجد منهم إنسانًا يذكره التاريخ بالفضل إلا أقل القليل! أما الباقون فلا يعرفون إلا بأنهم طالت أعمارهم، كما يكتب في الجرائد أحيانًا أن فلانًا مات عن مائة وثلاثين سنة أو مائة وأربعين سنة، وهذا بحد ذاته لا يحمد ولا يذم، إنما الذي يحمد ويذم هو العمل الذي ملأ به الإنسان هذه السنين، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.

فلا أدري -أيها الأحبة- متى يصحو الإنسان من تقلبات الأيام والليالي، وكرور الشهور بعد الشهور، ومرور الأعوام بعد الأعوام؛ حتى ينتبه إلى أن الحياة ليست هي الساعات فحسب، وإنما الحياة هي الأعمال التي تسجل لهذا الإنسان!

والله يا إخوتي! إنها لحسرة وندامة للإنسان منا أن يموت ثم لا يسمع به أحد، ولا يعرفه أحد، ولا يثني عليه أحد، ويمحى اسمه من سجل الأحياء، ويمحى من سجل التاريخ؛ فلا يذكر بشيء.

وأسوأ من ذلك أن يذكر بشر، أو يُدعَى عليه، أو يُسَبَّ، أو يذم بالحق، أما الذم بالباطل فلا يضير.

فالسؤال الذي يطرح نفسه عليك الآن: إذا مت -وأنت ميت لا محالة- فما هو العمل الذي قدمته وسوف تذكر به؟ هل سيثنى عليك بخير؟ هل سيمدحك الأخيار شهود الله في أرضه؟ هل ستكون قد تركت وراءك علمًا نافعًا: كتابًا، دروسًا، محاضرات، أعمالًا، جهادًا، كلمة حق قلتها في مناسبة، طلابًا خرجتهم تذكر بهم ويدعى لك بسببهم وينفعون الناس، أولادًا صالحين تذكر بهم، أموالًا أنفقتها في سبيل الله؟! أم أنك سوف تموت ويطوى ذكرك وتخمل، ولا أحد يعرف عنك شيئًا؟!

إذا مِتُّ كان الناس صنفين شامتٌ ... وآخرُ مثنٍ بالذي كنتُ أصنعُ

متاعب الدنيا تهون إذا قيست بالآخرة

إن الواحد منا -وهو يصوم- يتذكر وقد مسه ألم الجوع والعطش أن ما يلاقيه الإنسان من حرمان في هذه الحياة يهون جدًا إذا قيس بأمر الدار الآخرة، فالذين ينظرون إلى الدنيا فحسب تخطئ حساباتهم كثيرًا، تخطئ من وجوه عديدة، وإليك بعض الأمثلة:

المترفون إنما هم في متاع قليل

المنعمون في الدنيا إذا كانوا من أهل النار ماذا ينفعهم نعيمهم؟! ماذا تنفعهم لذة ساعة؟! ما تنفعهم القصور إذا صاروا إلى القبور؟! ماذا تنفعهم الأرصدة إذا ذهبوا إلى الدار الآخرة بلا رصيد؟! وماذا تنفعهم الأموال والأولاد والكراسي والمناصب؟! وماذا ينفعهم الجاه العريض في الدنيا إذا كانوا قد خرجوا من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة، ولم يكونوا قدَّموا من الخير عملًا صالحًا؟! ولهذا قال الله عز وجل: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:196 - 197] .

متاع قليل! أين فرعون؟! أين هامان؟! أين قارون .. ؟! أين النمرود .. ؟! أين كسرى .. ؟! أين قيصر؟!

ذهبوا ولم يبق منهم إلا أسماؤهم وأعمالهم وآثارهم يذمون بها ويشتمون ويلعنون بها إلى يوم يبعثون.

بل حتى ملوك المسلمين وخلفاؤهم الذين توسعوا في ملاذ الدنيا، وبنوا القصور وعمروها وشيدوها، وجمعوا الأموال، وحشدوا الجنود، وفعلوا ما فعلوا .. أين هم؟! أين قصر الحمراء، ومن بناه؟! أين قصر بني أمية في دمشق؟! كلهم ذهبوا، ولم تبق إلا آثار درست، تقول للعقلاء: اعتبروا واتعظوا ... !

بالله! سل خلف بحر الصين عن عربٍ ... بالأمس كانوا هنا واليوم قد تاهوا

وإن تراءت لك الحمراء عن كثبٍ ... فسائل الصرح: أين العز والجاه؟!

وانزل دمشق وسائل صخر مسجدها ... عَمَّنْ بناه لعل الصرح ينعاهُ

هذي معالمُ خرسٌ كل واحدة ... منهن قامت خطيبًا فاغرًا فاه

إني لأشعر إذ أغشى معالمهم ... كأنني راهب يغشى مصلاه

الله يعلم ما قلبتُ سيرتهم ... يومًا وأخطأ دمع العين مجراه

أين الرشيد وقد طاف الغمام به ... فحين جاوز بغداد تحدَّاهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت