إذًا هنا أفلح العدو في تغريب المجتمع، وهو يحاول في هذا المجتمع بالذات؛ لأنه لا يزال يتشبث ببعض أخلاقيات الإسلام وقيمه وسلوكياته، فالغرب يركز على هذا المجتمع بالذات، لمحاولة تغريبه وتغييره، ولكنه لن يفلح بإذن الله تعالى ولن يصل إلى ما يريد، فإذا جاء رمضان تغير كثير مما كانوا يصنعون، تغيرت أخلاقيات الناس، تغيرت عاداتهم، تغيرت اتصالاتهم، أقبلوا على الذكر وعلى المساجد حتى في البلاد التي تأثروا فيها، كبلاد تركيا مثلًا أو ماليزيا، أو أندونيسيا، أو بلاد المغرب أو غيرها من البلاد تغير الناس كثيرًا وأقبلوا على المساجد وعلى الذكر، وأصبحت الخمور لا تدار علانية، وأصبح الناس لا يمشون في الشوارع كما كانوا بالأمس، إلا وعليهم آثار التدين.
فرمضان من الشعائر والمعالم التي لا تزال تصارع جهود أعداء الإسلام وتقاومها، يشبهها في ذلك الأذان باعتباره شعيرة من الشعائر الظاهرة، فبعض البلاد إذا دخلتها لا تجد آثار الإسلام فيها إلا في المآذن، فإذا جاء وقت الصلاة سمعت ضجيج المآذن، فعرفت أن هذا بلد إسلامي! أما فيما سوى ذلك فلا تكاد تميزه عن غيره من البلاد بشيء، فرمضان انتصار على محاولات التغريب والتخريب.
انتزاع الشباب من الفساد إلى المسجد
كما أنه انتصار كذلك في أنه ينتزع وينتشل في كل عام من وهدة الفساد والانحلال أعدادًا من شباب المسلمين وفتياتهم؛ فينقلهم إلى المساجد، وإلى حلق الذكر، وإلى دروس العلم؛ فيكونون من الصالحين الأوابين الأواهين المستقيمين.
انتصار على محاولات التفريق
كما أن رمضان أيضًا انتصار على محاولات تمزيق وحدة الأمة وتفريق صفها، ولذلك نجد أن الناس يجتمعون في رمضان، فتتآلف قلوبهم في المساجد، يجتمعون على ذكر الله، وصلاة التراويح، والقيام، والإفطار، والسحور، فيكون في ذلك جمع لقلوبهم وحشدٌ لقواهم، فكأن كل يوم من رمضان يوم جمعة؛ يجتمع فيه المسلمون يسمعون ذكر الله ويسبحونه وتأتلف قلوبهم.
ولذلك نجد أن المسلمين المضطهدين والمضيق عليهم في أكثر من بلد يفرحون برمضان، إذا كانوا لا يجتمعون في سائر السنة إلا مرة في الأسبوع وهو يوم الجمعة، أما في رمضان فإنه يتاح لهم أن يجتمعوا فيه كل ليلة ويتدارسوا أمورهم، ويتفقوا على ما يرون الاتفاق عليه، ولعل المسلمين في هذا العام المستضعفين والمضطهدين في الجزائر يجدون في شهر رمضان متنفسًا لهم.
ارتفاع المعنويات وتحقيق الولاء والارتباط بالعلماء
كما أن رمضان يمنح المسلمين من ارتفاع المعنويات وقوة النفوس وعمق تحقيق الولاء للدين وأهله ما لم يكن لهم عهد به في غير رمضان، مثلًا: إقبال الناس على معرفة أمور دينهم، على الاستفتاء ومعرفة الأحكام الشرعية يتضاعف في رمضان عما كان عليه من قبل، وهذا لون من ألوان ربط الناس بعلمائهم، ليعرفوا منهم أحكام دينهم ويعيدوهم إلى صوابهم وهو بالتالي جزءٌ من تحقيق الولاء لهذا الدين وأهله ونزع الولاء عن الكافرين واليهود والنصارى والعلمانيين والمنافقين وغيرهم.
مثال آخر: الدعم المادي؛ فإن الناس تقبل نفوسهم على الصدقة والإنفاق في رمضان في أعمال الخير ومجالاته للفقراء والمساكين والمجتاجين في كل مكان ما لا يكون في غيره، ولعل أولى من يعطى في هذا الشهر المسلمون المحتاجون في أنحاء العالم، فإن المسلمين اليوم أحوج ما يكونون إلى القرش الذي تبذله أنت، ومجالات الإنفاق كثيرة، لكن هذا أحدها.
مثال ثانٍ: مجالس الوعظ فإنها تكثر في رمضان، وتمتلئ بها المساجد، ويكثر إقبال الناس عليها، وما ذلك إلا لون من دعوة الناس إلى تجديد الولاء لهذا الدين وأهله وحملته والالتفاف حولهم والإقبال عليهم.
الحضور الكثير في المساجد في صلاة التراويح والقيام، ولعل رأس ذلك ما يشاهده كثيرون من التواجد في الحرم المكي، فإنك ترى ألوانًا وأصنافًا من الناس من مشرق الأرض إلى مغربها، ومن البلاد التي يضيق فيها على المسلمين نجد أن لها أعدادًا كبيرة تأوي إلى هذا الحرم الذي جعله الله تعالى حرمًا آمنًا، فالمسلمون من أقاصي بلاد الدنيا يأتون إلى هنا فيجدون الأمن، ويجدون الأمان، ويجدون المحبة، وما مجيئهم هنا لمال، ولا لجاه، ولا لدنيا، وإنما جعل الله تعالى قلوبهم تهفو لهذا البيت.
وكون قلوبهم مرتبطة بهذا البيت فهم يعرفون أن تقديسه ليس لأنه أحجار، فقد كان عمر يقبل الحجر الأسود نفسه ويقول: [[إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك] ].
إذًا، فمجيء المسلمين من أنحاء الأرض وأصقاعها وأطرافها إلى هذا المكان الطاهر إنما هو إعلان العاطفة والولاء لهذا الدين وإعلان الحب لأهله، وإعلان أن هذه القلوب تلتف وتصطف حول من يرفع شعار"لا إله إلا الله محمد رسول الله"وحول من ينادي بكلمة التوحيد، وحول من ينادي بنصرة المسلمين في كل مكان.