الصفحة 70 من 115

ولهذا كان حقًا علينا -ونحن أهل بيت الله وأهل حرم الله- أن نغيث الملهوف في كل مكان، وكان حقًا علينا أن نرفع راية النصرة لكل مسلم مستضعف في مشرق الأرض ومغربها، وكان حقًا علينا أن ننصر تلك المرأة التي صوتت في عمورية تقول: (وامعتصماه) ولكن أقول: واأسفاه:-

رُبَّ وامعتصماه انطلقت ... ملء أفواه الصبايا اليُتَّم

لامست أسماعهم لكنها ... لم تلامس نخوة المعتصم

تكسرت تلك الأصوات، وخفتت تلك النداءات، وبحت حلوقهم وهم يصرخون ويصرخون وينادون، منهم من هدمت عليهم المساجد، ومنهم من يموت جوعًا، ومنهم من حيل بينه وبين بيوت الله، ومنهم من يجبرون على الكفر علانية، ويدرسون في مدارسهم ما لا يرضي الله، ومنهم ... ومنهم ... صاحوا ثم صاحوا ثم صاحوا، وأخيرًا خفتت أصواتهم، وكثيرٌ منهم دُسُّوا تحت التراب لا أحد يلتفت لهم ولا أحد يكترث لما يصيبهم!

أين منظمات حقوق الإنسان؟! أين الأمم المتحدة؟! أين المنظمات الدولية التي تعلن أنها بذلت جهودًا كبيرة من أجل وقاية اثنين أو أربعة من البيض؟! وهم يتحدثون علانية أن كثيرًا من مخيمات اللاجئين المسلمين من الصوماليين وغيرهم في إفريقيا وفي غيرها من بلاد الدنيا أنهم يعيشون أوضاعًا مأساوية للغاية، وأنهم يقفون -كما سمعت بأذني في إذاعات غربية- طوابير تمتد إلى اثنتي عشرة ساعة من أجل الحصول على الماء فقط! وأي ماءٍ يحصلون عليه؟! ماء ملوث في كثير من الأحيان! وما مقداره؟ لا يكاد يغطي ولا ربع احتياج الإنسان العادي من الماء يوميًا! هذا يقع كله على مرأى ومسمع من العالم.

العالم الذي يقول إنه عالم متحضر، إنه عالم يهتم بحقوق الإنسان ويُعْنَى بالشرعية الدولية، ولا أدري أي شرعية دولية هذه التي ترضى أن تنتهك حقوق الإنسان بمجرد أنه مسلم، ولا أدري أية شرعية هذه التي لم تعد تحرص على إخفاء سوءتها وستر عيوبها؟! لأنها عرفت أننا نحن المسلمين آخر من يعلم، وأننا لا نثأر لإخواننا المسلمين في أي بلدٍ، فقد أفلح الاستعمار في تمزيقنا من خلال هذه الحدود والسدود، وأفلح في شغلنا، بل أفلح أن تتحول أسلحتنا إلى صدور إخواننا في أكثر من مكان.

فأقول: رمضان فرصة لأن يرفع معنوية المسلم ويربطه بأخيه المسلم، وأن يذكره بآلام المصابين والمستضعفين والمنكوبين في كل مكان.

أهمية صلاح المجتمع

الأهمية الكبرى لصلاح المجتمع، هناك فرق بين المجتمع الصائم والمجتمع المفطر، ألم ترَ أنك حين تريد أن تصوم يومًا نافلة تجد التعب! لأنك تذهب إلى المدرسة فتجد الناس مفطرين، وتذهب إلى السوق فتجد الناس مفطرين، وتأتي إلى المنزل فتجد الناس مفطرين، وتذهب للمسجد فتجد الناس مفطرين، فتحس بأنك الوحيد، فيجد الإنسان ثقلًا في صوم النافلة، فمن يصم نفلًا يجد صعوبة فيه.

لكن إذا صام فريضة وجد أن أضعف الناس إيمانًا يصوم؛ ويقول: الحمد لله لا أجد أي تعب؛ لأن المجتمع كله صائم؛ فهو إن ذهب إلى العمل وجدهم صائمين، أو ذهب للبيت وجدهم صائمين، في المسجد وجدهم صائمين، في السوق وجدهم صائمين، إلى أصدقائه وجدهم صائمين، كل المجتمع يصوم؛ ولهذا لا يجد الناس مشقةً في الصيام، وهذا أمر يشاهده كل إنسان، وهو أمر محسوس تمامًا.

إذًا، هذا يكشف لك عن أثر المجتمع في صلاح الفرد وإعانته على القيام بالواجبات، ولذلك يجد المسلمون الذين يصومون -مثلًا- في بلاد الغربة صعوبة؛ لأن المجتمع لا يراعيهم، فالمجتمع غير صائم، وهو لا يراعيهم في برامجه، في أوقات الدراسة، في أوقات العمل، في أي شيء، فيجدون في ذلك مشقة وصعوبة لا يجدها المسلم الذي يصوم في مجتمع صائم.

وهذا يصدق على كل القضايا السلوكية الأخرى، فالإنسان حينما يبحر -كما يقال- ضد التيار يجد صعوبة أن يسبح ضد التيار، إذا مشى أمتارًا دفعه التيار إلى الوراء عشرات الأمتار، إذا كان المجتمع فاسدًا فكيف للإنسان أن يتعفف ويتطهر ويصلح ويستقيم؟ يكف بصره عن الحرام، يكف سمعه عن الحرام، يكف لسانه عن الحرام، لا يأكل إلا حلالًا! .. أنى له بذلك والمجتمع من حوله كله يقول له: هيت لك تعال؟!

وهذا يؤكد على أهمية أن نكون كلنا يدًا تعمل على وقاية المجتمع وإصلاحه وحمايته من ألوان الفساد الذي يراد به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت