الصفحة 71 من 115

يا أخي! الذي يبذل مجهودًا بسيطا لمحاولة منع المجلة الخليعة من بقالة الحي -هذا نقول له: جزاك الله خيرًا! والذي يبذل مجهودًا آخر لمحاولة منع التدخين في مكان ما -نقول له: شكر الله لك! والذي يحرص على إخراج جهاز التلفزة من البيت وقاية للأسرة -نقول له: أحسنت أحسنت! جهد مبرور! والذي يحرص على أن يكون مجتمع المدرسة -مثلًا- مجتمعًا صالحًا .. يتنفس فيه الطلاب هواءً طلقًا نظيفًا نقول له: نعم ما فعلت! ونعم ما قدمت للإسلام وللمسلمين! وهكذا ينبغي أن نكون كلنا يدًا تعمل ليكون الهواء الذي يتنفسه أبناؤنا في المجتمع هواءً نظيفًا، والماء الذي يشربونه نقيًا، والأكل الذي يأكلونه طيبًا، وأعني بذلك أن نحرص أن يكون مجتمعنا مجتمعًا إسلاميًا لا تقع عين الناشئ فيه على ما يسخط الله تعالى، وإلا فكما قيل:

وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوهُ

العناية بصلاح الباطن

ضرورة العناية بصلاح الباطن: فالصوم في حقيقته عبادة باطنة قبل أن يكون عبادة ظاهرة، وذلك من وجوه: أولها:

أنه يفتقر إلى النية، فلا بد للصوم من نية، وبالنسبة للفرض لا بد أن تبيت النية من الليل خلافًا للنافلة على ما هو معروف مقرر في كتب أهل العلم، والنية عمل باطن، فلو أن إنسانًا أمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بغير نية لم يكن له أجر، ولم يكن هذا هو الصوم الشرعي، والنية عبادة باطنة محلها القلب.

أمر آخر: أن الصوم سر بين العبد وربه، كما قال الله تعالى: {إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به} فلو أن إنسانًا أراد أن يفطر لاستطاع أن يفطر دون أن يعلم بذلك أقرب الناس إليه، حتى زوجته لا تدري بذلك، ولكنه يمتنع حتى في خلوته فضلًا عن جلوته؛ خوفًا من ذي الجلال والإكرام، ورعايةً لحق الله تعالى .. إذًا فالصوم عبادة باطنة.

الأمر الثالث: أن الصوم يقتضي منك تبعات، فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عما حرم الله عز وجل، وهذه أيضا أمور كلها تعتمد على ما في باطن الإنسان.

صلاح الظاهر لا يكفي

لذلك نقول: أيها الأحبة .. لا يكفي صلاح الظاهر عن صلاح الباطن، ولا يكفي لأن نحكم عليك بأنك صالح -مثلًا- أن تعفي لحيتك، أو تقصر ثوبك لا يكفي هذا فقط، وإن كان هذا مطلوبًا بلا شك، فمجرد الالتزام بالمظهر فحسب لا يكفي، فقد يلتزم الإنسان بمظهر طيب ويكون كذابًا! يكذب كذبات لا أول لها ولا آخر، وقد رأينا من هؤلاء أصنافًا -لاكثرهم الله- ويغتر بهم الناس لما هم عليه من صلاح الظاهر فتسير أكاذيبهم والعياذ بالله سير الشمس، وتبلغ الكذبة من أحدهم الآفاق، ويتحدث الناس بها لا يشكون ولا يرتابون في أنها حقٌ؛ لأن الذي تكلم بها ثقة، وما أدراك أنه ثقة؟! قال: ما شاء الله! تبارك الله! شكله كذا وصفته كذا، فهذا لا يكفي، الالتزام بالمظهر لا يكفي.

وكم من إنسان قد يكون مظهره حسنًا، ولكنه إذا خلا بمحارم الله تعالى انتهكها! فقد يكون والعياذ بالله مدمنًا على صغيرة، وربما يكون مقارفًا لفاحشة، وربما يكون مغرمًا بالدنيا وحب المال من حلال أو من حرام، فربما أكل الربا، وربما سرق، وربما غش، وربما خان، وربما أكثر من اليمين بغير حق في بيعه وشرائه، وربما ... ألوانٌ وألوانٌ من المعايب، ومن أعظم ذلك الحسد والحقد الذي يأكل قلوب كثيرٍ من الناس أكلًا ولو كان ظاهرهم الصلاح.

خطورة أمراض القلوب

فأمراض القلوب أخطر من أمراض الأبدان بكثير، وربما تفلح بسهولة في تحويل مظهر الإنسان إلى مظهر مستقيم، ولكنك تحتاج إلى جهود مضاعفة لتحويل قلبه إلى قلب سليم! والله تعالى ما جعل النجاة في الآخرة لمن أتاه ببدن سليم أبدًا، أبدًا!!

وإنما قال على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88 - 89] .

إهمالنا لقلوبنا

بالله علينا أيها الأحبة .. كم منا من يتعب في إصلاح قلبه؟! وكم منا من يتعب في إصلاح قلوب الآخرين؟! وكم من خطبة ألقيت في هذا المجال؟! وكم من محاضرة؟! وكم من كتاب؟!

أقول: قليل، بل أقل من القليل، وربما نجد أن كثيرين منا يتحمسون، ولكن لغير أعمال القلوب ... !

خذ مثالًا: -وقد هممت أن أفعل هذا الأمر- لو جمعنا الأوراق التي توزع في المساجد مثلًا، وتلصق بالأبواب وتنشر في مجتمعات الرجال والنساء .. ماذا نجد؟ سنجد أن أكثر من 90% منها تعالج أمراضًا سطحية ظاهرية، هي منكرات بلا شك، ومعالجتها مطلوبة، وبذل السبب في ذلك مطلوب، ومن فعله فهو مأجور .. ولكن لماذا لم نعطِ الجانب الثاني المتعلق بصلاح الباطن، بصلاح السريرة، بصلاح القلب، لم نعطه إلا 10% أو أقل؟!

لماذا لا تتجه الجهود إلى تأليف الكتب وإلقاء الدروس والمحاضرات والخطب والنشرات وبذل الجهود المضاعفة في مخاطبة قلوب الناس وإصلاحها وعلاجها من أمراضها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت