الصفحة 74 من 115

والعالم كله لم يذكر للجبهة الإسلامية للإنقاذ لم يذكر لها ذنبًا، اللهم إلا ذنبًا واحدًا أنها فازت في الانتخابات؛ لأن الشعب الجزائري أيدها وعرف أنها تدعو إلى تحكيم الشريعة، وهو ما ضحى إلا من أجل تحكيم الشريعة:

وعيرني الواشون أني أحبها ... وتلك شَكَاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها

لكن أيضا هناك تعليق على قضية حل الجبهة، يقول أحد زعماء الجبهة وقد سمعته: الإسلام أكبر من الجبهة وقبل الجبهة وبعد الجبهة، إن حلوا الجبهة، فإنهم لا يستطيعون أن يحلوا الإسلام، الإسلام والمطالبة بقيام دولة إسلامية في قلب كل مسلم -لا أقول: في الجزائر - بل في بلاد العالم كلها، والإسلام الآن منذ أربعة عشر قرنا وهو يقاوم العوادي جاء الصليبيون بقضهم وقضيضهم، وأقاموا في هذه البلاد .. فماذا صنعوا؟ ما هي إلا فترة حتى استعاد المسلمون قوتهم فواجهوهم في مواقع ضارية وجعلوهم عبرة؛ حتى أسروا رئيسهم وهو الفرنسيس أو غيره، ووضعوه في دار معروفة بالمنصورة في مصر، فكان شاعرهم يقول:

قل للفرنسيس إذا جئته ... مقالةً ... من ناصحٍ بَرٍّ فصيحْ

دارُ ابن لقمان على حالها ... والقيدُ باقٍ والطواشيُّ صبيحْ

أي إذا رغبتم فعاودوا، فالذي صنعناه بكم في الأمس نصنعه بكم اليوم، وجاء التتار بقوة مذهلة وأعداد كأنهم البحر الهادر، لا يعرف أولهم من آخرهم، قوة متوحشة اجتاحت ما وراءها، جاءت من بلاد الترك ومن وراء بلاد الترك، فكانوا يقضون على الأخضر واليابس، وأصيب المسلمون باندهاش من جراء تلك القوة، ولكن ما هي إلا سنوات حتى استيقظ المسلمون واستعادوا قوتهم، فنازلوا التتار في مواقع حتى أن التتار أنفسهم أسلم منهم عدد كبير، كما قال محمد إقبال رحمه الله:

باغتت التتار فأدركتها ... من الإيمان عاقبة الأمان

فأسلم منهم من أسلم، ثم قام المسلمون عليهم وانتصروا عليهم نصرًا مؤزرًا في معارك تاريخية فاصلة معروفة أيضًا.

الإسلام الذي بعث به محمدٌ عليه السلام عمره الآن أربعة عشر قرنًا وزيادة، ونود أن نخبر خصوم الإسلام في كل مكان أن الإسلام دين معمر إلى قيام الساعة ... !!

احشدوا ما أردتمو من بنودٍ ... وارفعوها على حراب الجنودِ

ثم سوقوا لنصرها زمر الأنـ ... ـعام من كل جاهل وحَقودِ

فالأباطيل للزوال وإن أمهـ ... ـلن والحقُّ وحدَه للخلودِ

وإنه لموعد غيب لم نره، ولكنه آتٍ قريب ولتعلمن نبأه بعد حين!

المقدم:

سلمانُ! كنتُ أرى الأبياتَ قد عجزتْ ... عن الثناء وهاهي اليوم قد قالتْ

يا شيخنا كم حباك الله من أدبٍ ... معين وعلم يشفى الساكتْ

الغربة

السؤال: فضيلة الشيخ! كلنا يعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: {بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء!} هل نحن الآن في غربة الإسلام؟ أي هل عادت غربة الإسلام في وقتنا الحاضر؟ كما أرجو حث الحاضرين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

الجواب: أما الغربة فنعم:

وهذا زمان الصبر من لك بالتي ... كقبض على جمر فتنجو من البلا

فهذا زمان الغربة، وهذا زمان من أزمنة غربة الدين، ولكن يلاحظ في ذلك أمور:

أولًا: أن هذه الغربة قد تندفع كما اندفعت الغربة الأولى، والذي أخبرنا بأن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا أخبرنا -عليه الصلاة والسلام- بأن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، وهناك خط اسمه خط الغربة، ويقابله خط آخر اسمه خط التجديد ... هذه واحدة ..

ثانيًا: أن الغربة درجات وليست درجة واحدة، وكما أن الليل يأتي تدريجيًا حتى تظلم الدنيا ويستحكم، فكذلك النهار فإنه ينبثق شيئًا فشيئًا، وما يزال الإسفار حتى تشرق الشمس على الدنيا كلها، فالآن نحن في زمن غربة لكن لم تستحكم الغربة استحكامًا تامًا، فإن الغربة تستحكم، كما قال بعض أهل العلم:"إن هذا الدين ينتهي بواحد كما بدأ بواحد".

تستحكم الغربة تمامًا في آخر الزمان حين لا يبقى إلا أفراد قلائل، إن قالوا لم يسمع لقولهم، وإن أمروا لم يطاعوا، وإن نهوا لم يطاعوا، وإن دعوا لم يستجب لهم، أي لم يستجب الناس لدعوتهم، فحينئذٍ يرحمهم الله تعالى فيقبض أرواحهم، فلا يبقى إلا شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فذلك هو زمان الغربة المستحكمة التامة التي أخبر عنها الرسول عليه الصلاة والسلام أيضًا في أحاديث.

أما مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي أحد الوسائل لدفع الغربة، وقد تكلمت عن هذا الموضوع في كتاب سيخرج إن شاء الله في نهاية هذا الشهر عنوانه"من وسائل دفع الغربة"، وخصصت فيه فصلًا مطولًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من أقوى وسائل دفع الغربة، لأننا إذا سكتنا عن المنكرات استحكمت وصارت عرفًا مألوفًا معروفًا ينشأ عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، فمن أنكره قيل له:"أنكرت مألوفًا معروفًا"أو"أنكرت السنة"أيضًا؛ لأن الناس تعودوا عليه وعرفوه، ولكن نقاومه حتى لو لم نستطع إزالته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت