فهرس الكتاب
وهذا الإنسان الذي يبذخ ويسرف؛ تجد أنه لم ينفق في سبيل الله تعالى, ولم يتعاهد المساكين، والمعوزين، والمحتاجين, لم تحدثه نفسه أن يصل المجاهدين في سبيل الله في أفغانستان , أو فلسطين , أو إرتيريا , أو الفلبين , أو غيرها. أولئك الذين يحمل الواحد منهم سيفه على عاتقه، أو يحمل بندقيته على عاتقه, وينام على الثرى، ويلتحف السماء، وربما لا يجد الواحد منهم كسرة خبز يسد بها جوعته, لا يلتفت إليهم, وهذا أيضا يؤكد أن الصيام لم يحقق غرضه وحكمته في مثل هؤلاء, لأن الصوم جوع، وبالجوع يتذكر الإنسان المحتاجين والجائعين، كما قال الأول:
لعمري لقد عظني الجوع عظة ... فآليت ألا أمنع الدهر جائعًا
فمن العادة أن الإنسان إذا مسه الجوع والعطش تذكر المساكين، والمحتاجين، والفقراء, فجادت نفسه بالبذل والعطاء, أما أن يوسع الإنسان على نفسه هذه التوسعة, ويبذخ هذا البذخ, ويسرف هذا الإسراف، في ألوان الطعام والشراب, ثم ينسى المساكين, والفقراء, والمحتاجين, والمجاهدين, فلا شك أن هذا يدل على أنه ما راعى الأمانة حق رعايتها.
أمانة الأهل والولد
وأخيرًا: خذ أمانة الأهل والولد، فهل نجد رعاية لأولادنا وأهلينا في رمضان أكثر مما نجد في غيره؟
أم أن الحال العكس من ذلك؟ الواقع يقول لنا: لا, الحال على ضد ذلك, فإن رمضان مجال لتسيب أولادنا، وبناتنا، وأزواجنا!
فالأب في الليل مشغول بالسهر مع زملائه وأصدقائه, وفي النهار مشغول بالنوم بعض الوقت, والوقت الآخر يقضيه في أعماله إن كان موظفًا أو غير موظف, أما الأولاد وأهل البيت، فلا شأن له بهم ولا يدري! بل قد يكون بعض الطيبين والصالحين، ممن يبكرون إلى المسجد ويصلون التراويح, لا يدري ما شأن أولاده ولا بناته, فالأولاد الصغار يلعبون مع أمثالهم ونظرائهم, وربما يترتب على لعبهم هذا تورطهم في عصابات المخدرات, ووقوعهم في الجرائم الأخلاقية، من اللواط والسرقة وغيرها, وتعرضهم للاختطاف, وتعرضهم لحوادث السيارات والدهس وغيرها.
وكذلك البنات، قد يتعرضن لأمور كثيرة, باختيارهن أو بغير اختيارهن, والأب لا يدري من ذلك شيئًا, فهو إما في المسجد يصلي, أو مع شلته وأصحابه, أو نائم, أو في عمله!
أين رعاية الأمانة في هذا الشهر الكريم؟ إذا فرطت في أغلى ثروة تعتز بها في أولادك وبناتك!
فهذه من السلبيات التي يقع فيها الصائمون, ولا يجوز أن تحدث لا من الصائم ولا من غيره, لكن إن فُرِضَ جدلًا أنها حدثت من غير الصائم, فإنه لا يجوز بحال أن يتصور حدوثها من الصائم, الذي هو متلبس بعبادة, من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهذه نقطة وهي قضية التفريط في الأمانات التي حملنا الله إياها في هذا الشهر الكريم.
الاهتمام بالشكليات والمظاهر
السلبية الثانية: هي أن كثيرًا من الناس صاروا يهتمون بالشكليات والمظاهر ولا يهتمون بالحقائق, والدين حقائق ومظاهر, لسنا نقول: إن الدين حقيقة فقط, بل الدين حقيقة ومظهر, فالإسلام جاء لتربية القلوب والضمائر والنفوس، وإيجاد الحب والبغض في الله, وإيجاد محبة الله, والرجاء فيما عنده, والخوف من عقابه, كذلك الدين جاء لتربية المظهر, ولذلك تجد أن الإسلام أمر بإعفاء اللحية, وأمر بتقصير الثوب بالنسبة للرجل, وبالنسبة للمرأة أمرها بالتستر والتصون والعفاف.
الدين مظهر ومخبر
إذًا: الدين مظهر ومخبر, لا يقتصر على شيء دون شيء, لكن بعض الناس مع الأسف أخذوا من الدين مظهره ونسوا منه مخبره, ويتجلى هذا في شهر الصيام, حينما ننظر في هذه العبادة التي يختص بها شهر رمضان، وهي الاجتماع على صلاة التراويح والقيام, تجد أن كثيرًا من الناس لا يفهمون من هذه العبادة حقيقتها أنها إقبال على الله بالقلب والروح, وخشوع له, وتمسكن, وأن يضع الإنسان أعز وأشرف ما فيه (جبهته) في الأرض لله عز وجل، إنما يفهمون أنه وقت يقضونه في العبادة! ولذلك تجد كثيرًا من الناس يسلكون مسلك الاستعجال في العبادة, في صلاة التراويح، فما بين قيام وركوع وسجود, المهم أيهم ينتهي أولًا!
وكثيرًا ما تجد في المساجد أناسًا يتسابقون في صلاة التراويح، وربما يقرأ الإمام آية واحدة أو آيتين, فإذا قرأ نصف وجه اعتبر مطيلًا للصلاة! وحدثني بعض الشباب الثقات أنه في بعض البلاد، كان الإمام يقرأ في كل ركعة آية واحدة من قصار الآيات, فمثلًا يقرأ في الركعة الأولى (ألم) الله أكبر, ثم يقوم في الركعة الثانية فيقول: (ص) الله أكبر, وهكذا طيلة الشهر الكريم! يقرأ آية واحدة من قصار الآيات, بل ربما يقرأ من الحروف المقطعة في أوائل السور ثم يركع ويسجد, وكثير من الأئمة لا يتمكن الذين يصلون خلفه من قراءة الفاتحة, ولا من التسبيح في الركوع والسجود, ولا من قول"ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"ولا من قراءة التشهد في جلسة التشهد, ولا من غير ذلك, فهو يسرع, المهم: أنه متى ينتهي من الصلاة!