الصفحة 85 من 115

ولا شك أن هذا أَخْذٌ بشيء من مظهر العبادة، وغفل عن جوهرها, فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان وغيره إحدى عشرة ركعة, يطيلهن ويتمهن، ويطيل القراءة فيهن, ومن بعده كان أصحابه لما جمعهم عمر رضي الله عنه على صلاة التراويح، كانوا يطيلون القيام حتى يتكئون على العصي من طول القيام!

فالعبادة ليست عبثًا أو لعبًا أو لهوًا, العبادة خشوع ووقوف بين يدي الله تعالى, ولا بد أن يكون الإنسان محتسبًا لهذه العبادة, أما أن تتحول العبادة إلى تسابق ومسارعة, فهذا لا شك أنه لا يجوز.

تدبر القرآن لا كثرة التلاوة

قل مثل ذلك في القرآن الكريم، فقد اعتاد الناس أن الإنسان يستحب أن يختم القرآن في رمضان, أقصد بمفرده، كل واحد منا حريصٌ على أن يختم في رمضان ثلاث أو أربع أو ست مرات، وهذا لا شك أنه حسن، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: {كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل, وكان يلقاه في كل ليلة فيدارسه القرآن, قال: ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة} .

ومن هذا الحديث أخذ أهل العلم أنه يستحب للإنسان أن يختم القرآن في رمضان ما تيسر له, بقدر ما يطيق، وأن يكثر من تلاوة القرآن في رمضان؛ وذلك لأن رمضان هو شهر القرآن قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] فيه نزل القرآن، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا, وفيه ابتدأ نزول القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فيستحب للعبد أن يكثر من قراءة القرآن وتلاوته ومدارسته, إما بنفسه أو مع الصالحين من عباد الله, لكن يقرأ القرآن بخشوع كما أنزل, ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما قام ليلة كاملة بآية واحدة من كتاب الله يرددها حتى الصباح, وهكذا كان أصحابه من بعده.

وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع القرآن بكى! كما في الصحيح عن ابن مسعود أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له: {اقرأ عليّ القرآن، قلت: يا رسول، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري قال: فقرأت عليه من سورة النساء, حتى أتيت على قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] قال النبي - صلى الله عليه وسلم: حسبك الآن قال: فالتفت إليه - صلى الله عليه وسلم - فإذا عيناه تذرفان} فكان عليه الصلاة والسلام يبكي ويخشع لقراءة القرآن, وكذلك الصالحون من بعده عليه الصلاة والسلام, فكان أبو بكر إذا صلى بالناس صلاة الفجر بكى حتى يسمع نشيجه من وراء الصفوف, وربما خنقته العبرة حتى لا يدري من وراءه ماذا يقرأ أبو بكر رضي الله تعالى عنه من القرآن!

بل عمر رضي الله عنه القوي الشديد الأيّد, كان يخشع للقرآن أعظم الخشوع, حتى ربما قرأ آية من كتاب الله فاهتز لها واضطرب, وجلس في بيته مريضًا أيامًا يعاد.

-حال الناس مع القرآن:

أما أن يكون هم الواحد منا متى يصل إلى آخر السورة, أو آخر الجزء، أو آخر القرآن ومتى يختم! وربما هَذَّ القرآن هذًّا كهذّ الشعر, لا يقف عند وعده ووعيده, وحلاله وحرامه, ومعانيه, بل يهذّه هذا، لا يدري ما معنى القرآن, ولا يعتبر به ولا يتأثر! , فلا شك أنه ليس لهذا أنزل القرآن, والله عز وجل يقول: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29] ويجب أن نعلم -أيها الإخوة- علم اليقين أن القلب الذي يسمع آيات الله عز وجل, ثم تتلى عليه ولا يتأثر ولا ينكسر ولا يخشع, أنه قلب مريض إن لم يكن قلبًا ميتًا، قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا [الجاثية:7 - 8] وقال: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [المرسلات:50] وقال: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:6]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت