و ثانيا إنه لا يصح شرعا ولا عقلا أن يقال: إن تحكيم الوحي يُحوّل العقل إلى تابع له يقتات بنصوصه، ويلوذ ويحتمي به. فهذا غرور و رعونة نفسي، وتكبر على الحق وجهل بحقيقة الشرع والعقل معا. لأنه ليس عيبا ولا نقصا في أن يعبد الإنسان خالقه، و يخضع له في فكره ومشاعره وسلوكه. بل إن هذا هو المطلوب شرعا وعقلا، و به يحدث التطابق و التكامل بين الجانب المُسيّر من الإنسان مع الجانب المُخيّر فيه. لأن الجانب الأول خاضع فيه الإنسان لخالقه بالضرورة و ليس في مقدوره تغييره و لا الانفلات منه، و الجانب الثاني هو الذي للإنسان فيه حرية التصرف. فإذا عبد الإنسان خالقه وفق شرعه يحدث ذلك الاتفاق والتطابق، والتكامل والانسجام في حياة الإنسان. وهنا تكمن سعادة الإنسان فيعيش سعيدا في الدنيا والآخرة، وهذه العلاقة الصحيحة بين الخالق والمخلوق هي التي يسعى أدعياء العقلانية إلى نفيها وتعطيلها وإنكارها و الافتراء- بسببها- على الشرع والعقل معا.
ولا يصح شرعا ولا عقلا وصف التزام العقل بالوحي بأنه يقتات بالنصوص، فهذا زعم باطل لا يقوله عاقل يعي ما يقول. لأن الوحي هو كلام الله تعالى فيه الحق والنور، و الهداية و العلم. و الإيمان إذا أخذه الإنسان بإخلاص وعزم، و ثقة وعلم، وحكمة وقوة، فإنه يصبح إنسانا آخر. فيزداد إيمانا و شجاعة، علما وحكمة وما أسعد الإنسان الذي يفوز بذلك القرب من خالقه، وما أتعس الذي يفوته ذلك!!. لذا من يعرض عن وحي ربه فإنه ُيقبل بالضرورة على الظلام و التيه، و يقتات على ظلاميات وأباطيل وخرافات البشر. و الذي يُقبل على وحي ربه لا يصح وصفه بأنه يقتات عليه، فهذا جهل وضلال. لكن الذي يترك وحي ربه، ويقبل على أفكار البشر هو الذي يقتات على أهواء البشر و أوساخ عقولهم وضلالاتهم.
وليس عيبا ولا نقصا أن يحتمي العقل بالوحي ويلوذ به، فهذا أمر مطلوب شرعا وعقلا، فالمخلوق يحتمي بخالقه، والضعيف يلوذ بالقوي، والجاهل يلجأ إلى العالم، والنسبي يلوذ بالمطلق. وإذا احتمى الإنسان بالوحي يكون احتمى بخالقه ولاذ به. وهنا تكمن حريته وسعادته، إنه سيسعد في الدنيا والآخرة ويتحرر من كل قيود