وردا عليه أقول: إن قوله هذا زعم باطل، و فيه رعونة نفس و غرور، وفيه افتراء على الشرع والعقل معا، وهو هنا ردد ما قاله حسن حنفي وأمثاله من أدعياء العقلانية في تقزيمهم للوحي، ومبالغتهم في تعظيمهم للعقل. وقد سبق وأن بينا بطلان هذا الزعم فلا نعيده هنا. لكننا مع ذلك نقول: أولا إن العقل في أصله ليس مستقلا حتى يقال: إن مبدأ تحكيم النصوص يؤدي إلى القضاء على استقلال العقل. فهذا افتراء على الشرع والعقل والواقع، لأن العقل قوة وغريزة في الإنسان من ضمن باقي قِوى الإنسان وغرائزه، ومهما بالغنا في تعظيمه ووصف قدراته، فهو في النهاية مخلوق لله تعالى ناقص محدود القدرات أحكامه نسبية، لن يستطيع الخروج من ذلك. والذين يزعمون خلاف ذلك فنحن نتحداهم بأن يثبتوا زعمهم، وإنتاجهم الفكري شاهد على عجزهم، فليس عندهم في تعظيمهم للعقل إلا المبالغات ورعونات النفس، والغلو والمجازفات. وإنتاجهم الفكري شاهد ضدهم، فهو عادي للغاية، بل هزيل في كثير من جوانبه، وكتابنا هذا اظهر جانبا كبيرا من هزالة وضعف إنتاجهم، وبطلان كثير مما فيه. فأين ثمار ونتاج غلوهم في تعظيمهم للعقل؟. لذا فلا معنى ولا داعٍ لمثل تلك المبالغات والمغالطات التي يتظاهر بها أدعياء العقلانية كحسن حنفي ونصر حامد أبي زيد.
و الصواب في ذلك هو أن العقل الإنساني له الاستقلالية لكنها نسبية -أي غير مطلقة-لن يستطيع تجاوزها بحكم طبيعته لأنه مخلوق لله تعالى، وهذا لا ينزع عنه مكانته المرموقة، ولا يحرمه استقلاليته النسبية. و إنما علينا أن نضعه في الموضع الصحيح الذي يناسبه بلا إفراط ولا تفريط.
علما بأن ما زعمه الرجل يؤدي إلى افتقاد الوحي الصحيح لاستقلاليته المطلقة من جهة، ويحط من قيمته ومكانته ويجعله أسيرًا تابعا لأهواء وظنون البشر من جهة أخرى. بدعوى أسبقية العقل وحريته، و هذا لا يصح، لأنه ليس من الشرع ولا من العقل أن يكون الخالق تابعا لمخلوقه، و الصواب هو أن يحدث العكس. لكن الرجل قزّم المطلق وآخره، وعظّم النسبي وقدمه على المطلق، بمعنى أنه قدم المخلوق على خالقه!!.