الصفحة 98 من 643

وأشير هنا إلى أن حسن حنفي كان قد زعم أن العقل موطن اليقين والبداهة، وأن حججه صادقة، وأنه قادر على الوصول إلى اليقين وأحكامه قطعية. وهذا خلاف ما قاله حامد أبو زيد عندما نفى عن العقل قوله بالأحكام النهائية والقطعية واليقينية الحاسمة. فالرجلان مختلفان في موقفهما من أحكام العقل وقدرته من جهة. و متفقان على أن كلا مهما اصدر حُكما قطعيا من جهة أخرى. الأول -أن حسن حنفي-عظّم العقل واعتقد فيه العصمة لكي يصل إلى الزعم بأن العقل مكتفٍ بنفسه، وأحكامه يقينية، ومن ثم فهو أسبق من الشرع الظني، وليس في حاجة إليه. و الثاني - حامد أبو زيد- استهجن و رفض الأحكام القطعية و اليقينية ليصل إلى الطعن في أحكام الشرع القطعية الثابتة اليقينية. فهو لا يريد أن يكون ذلك في الشرع لكي يتمكن من التلاعب بالشرع ويتجاوزه، و لهذا نفى عنه السلطة الذاتية، و أوّل الشرع تأويلا تحريفيا [1] .

و الحقيقة هي أنه ليس عيبا أن يصدر العقل أحكاما قطعية يقينية بطريقة صحيحة و تكون في مكانها المناسب. و ليس عيبا أن يصدر العقل أحكاما ظنية احتمالية بناءا على المعطيات التي أمامه. والواجب على العقل أن يصدر النوعين من الأحكام بطريقة صحيحة، وحسب طبيعة الأدلة المتوفرة. فيجزم في مواضع اليقين، ويرجح في مواضع الظن والاحتمال، ويتوقف في مواضع لا يستطيع التأكد أو التثبيت منها، أو الترجيح فيها. وهذا هو الصواب في أحكام العقل خلاف ما زعمه حامد أبو زيد وأراد أن يوهمنا به، محاولة منه لنفي قطعيات الشرع وثوابته، بدعوى أن نصوص الشرع ظنيات، ولا سلطة ذاتية لها من جهة، ويطرح علينا قطعياته المزعومة من جهة أخرى.

والموقف الثالث مفاده هو أن حامد أبا زيد زعم أن مبدأ تحكيم النصوص يؤدي إلى القضاء على استقلال العقل، بتحويله إلى تابع يقتات بالنصوص، ويلوذ ويحتمي بها [2] .

(1) سنتناول موضوع التأويل في الفصل الثالث إن شاء الله

(2) نقد الخطاب الديني ص:102

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت