الصفحة 97 من 643

وأقول: إن كلامه هذا هو نفس كلام حسن حنفي الذي سبق أن أبطلناه فيما تقدم من كتابنا هذا. لكننا نضيف هنا ما يأتي: إنه ليس صحيحا أن سلطة الوحي تتأسس على سلطة العقل، بمعنى: أسبقية سلطة العقل على سلطة الوحي وتبعية الوحي له. فهذا لا يصح لأن العقل والإنسان ككل من مخلوقات الله تعالى والوحي من كلامه سبحانه، ولا شك أن كلام الله أولى وأسبق من أفعال مخلوقاته كالنشاط العقلي عند الإنسان. وعليه فإن الوحي يمثل سلطة وقوة وفاعلية وله الأولوية و الولاية على العقل. وهي سلطة نصّ عليها الشرع الصحيح، و يقول بها العقل الصريح الذي لا يقول أبدا عن نفسه بأنه أسبق من كلام الله، ولا أنه الأساس الذي يقوم عليه الوحي. و إنما يقرر أن العقل هو وسيلة لمعرفة الوحي وفهمه، واكتشاف أسراره وحِكَمه. ولا يقول بأنه هو الذي جاء بالوحي ولا أنه بإمكانه الإتيان بمثله، ولا أنه من حقه التقدم عليه و مزاحمته و مساواته. فالوحي مكتفٍ بذاته: تأسيسا وقوة، سلطة وفاعلية. فهذه هي مكانته وخصائصه، حتى وإن لم يتعرف عليه العقل أو أنكرها. فإن هذا لن يغير من حقيقة الوحي شيئا.

وأما قول الرجل بأن سلطة العقل ضد الأحكام النهائية والقطعية اليقينية الحاسمة. فهذا كلام لا يصح على إطلاقه، وكلامه هذا هو نفسه شاهد على نقض حكمه هذا الذي أصدره. لأنه طرح كلامه هذا على أنه حُكم مطلق حاسم نفى به عن العقل تلك الأحكام، فوقع فيما أراد نفيه. و الحقيقة هي أن العقل في مقدوره أن يصدر أحكاما قطعية في المواقف والقضايا الواضحة التي قام الدليل على صحتها وصدقها، أو التي هي استنتاجات صحيحة من مقومات بديهية يقينية، وهذا كثير جدا في حياة الإنسان. وفي كل العلوم توجد يقينيات وقطعيات مقابل ظنيات واحتمالات. وحياة الإنسان تقوم أساسا على اليقينيات العقلية والعملية المتعلقة بحياته العادية. وكل أصحاب العقائد الدينية والمذاهب الفكرية يقولون بأنهم أقاموا عقائدهم وتصوراتهم على حقائق ويقينيات، بغض النظر عن مدى صدق ذلك من كذبه. المهم أنهم يعتقدون بذلك، وهذا خلاف ما أراد أن يوهمنا به الرجل في زعمه بأن العقل ضد الأحكام القطعية واليقينية فالواقع يخالف ذلك الزعم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت