الصفحة 102 من 643

تصادم مع الوحي الحق في حالتين: الأولى هي الحالة النظرية التجريدية المبدئية، فهي على مستوى الفكر المجرد لا يمكن تصوّر حدوث تصادم أو تناقض بين الوحي الصحيح والعقل الصريح ولا بينه وبين العلم الصحيح. و الحالة الثانية هي الحالة الواقعية المتمثلة في وجود الدين الحق على الواقع، فإذا وُجد هذا الدين فإنه لا يمكن أن يحدث بينه وبين العقل الصريح تصادم أبدا.

وليس صحيحا أن التصادم يحدث بين العقل وسلطة النصوص عندما تتحول إلى سلطة مطلقة ومرجعية شاملة بفعل الفكر الديني المفسر لها. فهذا لا يصح لأن سبب حدوث التصادم سبق أن ذكرناه أعلاه من جهة، كما أن التصادم ليس سببه -بالضرورة- الفكر الديني، ولا القول بسلطة الوحي المطلقة ومرجعيته الشاملة من جهة أخرى. فهذا لا يؤدي بالضرورة إلى ذلك التصادم، كما أراد أن يوهمنا به حامد أبو زيد. فذلك قد يحدث إذا اخطأ الفكر الديني في الفهم، أو حمّل النصوص الشرعية ما لا تحتمل وقوّلها ما لم تقل. فإذا كانت -مثلا- لا تحتمل الشمولية و الحاكمية المطلقة وحملها ذلك، هنا يكون الفكر المفسر لها قد أخطأ واحدث تصادما بينها وبين العقل. لكنها إذا كانت تنص صراحة على الشمولية والهيمنة، والحاكمية المطلقة دينا ودنيا ثم جاء الفكر الديني واظهر ذلك وشرحه، فهنا لم يحدث تحريف للشرع، ولا جناية على العقل و لا حدث تصادم بينها، ولن يحدث ذلك ابدأ. لذا فإن الرجل مُغالط ومُحرف ومُدلس على القراء، لأنه عندما أراد أن ينفي عن الشرع شموليته وكماله وهيمنته وجمعه للدين والدنيا، زعم أن الفكر الديني هو الذي أضفى على الشرع ذلك ليدافع الرجل عن فكره العلماني، و يُقزّم الشرع الإسلامي، ويعطله عن توجيه الدين والدنيا معا. وهذا سيتضح أكثر فيما يأتي لاحقا من كتابنا هذا بحول الله تعالى.

والرجل صب جام غضبه على الفكر الديني وكأن هذا الفكر لا صواب له في فهم الشرع، وأن دوره هو التحريف لا الفهم الصحيح له من جهة، وطرح الرجل فهمه للدين على أنه فهم صحيح له، و مدافع عنه. مع أن حقيقة فكره أنه خصم عنيد للدين، ومحرف له عن سبق إصرار وترصد، بلا دليل صحيح من الشرع ولا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت